أبعاد تعيين محسن رضائي وتحولات الأمن القومي الإيراني
تشهد أروقة السلطة في طهران إعادة صياغة جوهرية لهياكل صنع القرار، حيث يبرز تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كتحول استراتيجي يعيد رسم موازين القوى الداخلية. يأتي هذا القرار في توقيت حساس أعقب مواجهات عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، مما يعكس توجهاً لدى القيادة لتمكين الجناح المحافظ الأكثر راديكالية، وتوثيق الصلة بدوائر القرار العليا المرتبطة بمكتب المرشد.
يخلف رضائي في هذا المنصب محمد باقر ذو القدر، الذي انتقل للعمل مستشاراً سياسياً للمرشد. ويُعد هذا المجلس الهيئة الأرفع المسؤولة عن صياغة السياسات الدفاعية والخارجية، ورغم عمله تحت مظلة رئاسة مسعود بزشكيان، إلا أن وجود رضائي يمنح توجهات الدولة طابعاً أمنياً صارماً وحازماً في مواجهة التحديات الخارجية.
التأسيس العسكري وبناء ركائز الحرس الثوري
بدأ محسن رضائي، البالغ من العمر 71 عاماً، رحلته في قلب النظام منذ الأيام الأولى لثورة 1979. انخرط في تأسيس الحرس الثوري، ولم يمضِ وقت طويل حتى تولى قيادة هذه المؤسسة في عام 1981 وهو في ريعان شبابه، ليبدأ مسيرة طويلة من التأثير في العقيدة العسكرية الإيرانية.
أبرز المحطات في قيادته للحرس الثوري:
- إدارة الحروب: قاد المؤسسة لمدة 16 عاماً متواصلة، تزامنت مع سنوات الحرب الطويلة مع العراق.
- الهيكلة النظامية: نجح في تحويل الحرس الثوري من مجموعات ثورية غير منتظمة إلى جيش نظامي متكامل القوى.
- التوسع النوعي: أشرف بشكل مباشر على استحداث وتطوير الأذرع البرية والبحرية والجوية للحرس، مما جعله المهندس الأول للمنظومة الأمنية الحالية.
المسار السياسي والطموح الاقتصادي
بعد مغادرته المناصب العسكرية المباشرة، لم يبتعد رضائي عن مراكز النفوذ، بل سعى لتعزيز حضوره في المشهد المدني والسياسي من خلال عدة مسارات:
- السباق الرئاسي: حافظ على ظهوره المستمر كمرشح دائم في الانتخابات الرئاسية، ممثلاً للتيار المحافظ التقليدي.
- التخطيط التنموي: شغل منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية في عهد إبراهيم رئيسي (2021-2023).
- التأهيل الأكاديمي: حصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة طهران، محاولاً دمج الرؤية الأمنية الصارمة مع نظريات الإدارة والتنمية الاقتصادية.
التوجهات الراديكالية والعلاقة مع القيادة العليا
وفقاً لما ذكرته بوابة السعودية، فإن نفوذ رضائي شهد قفزة نوعية مع تنامي دور مجتبى خامنئي في إدارة الملفات السيادية. ومنذ تكليفه بمهام استشارية عسكرية للمرشد في مارس الماضي، برز صوته كأحد أكثر الأطراف حدة في الخطاب الهجومي ضد القوى الغربية.
تعتمد رؤية رضائي على رفض قاطع لمبدأ التفاوض، مفضلاً الخيارات التصعيدية؛ حيث سبق وأن أطلق تصريحات مثيرة للجدل تتعلق باحتجاز رهائن أمريكيين كأوراق ضغط مالية في حال نشوب نزاع بري. كما يتبنى موقفاً عدائياً تجاه الاتفاقيات الدولية، متهماً القوى الغربية بمحاولة خنق الممرات المائية الحيوية لإيران.
الإرث الثوري والتحديات التاريخية
تعود جذور النشاط السياسي لرضائي إلى مرحلة المراهقة، حيث انخرط في العمل السري ضد نظام الشاه، مما أدى لاعتقاله من قبل جهاز “السافاك” عام 1973. كما كان حجر الزاوية في تأسيس حركة “منصورون”، التي قدمت الرعيل الأول من قيادات الحرس الثوري.
رغم هذا التاريخ الحافل، لم يسلم رضائي من الانتقادات، خاصة فيما يتعلق بإدارته لعمليات عسكرية كبرى مثل “كربلاء-4” عام 1986، والتي شهدت خسائر فادحة. ورغم محاولاته اللاحقة لتبرير تلك النتائج بوصفها “عمليات خداعية”، إلا أن تلك الجدليات لم تعق تقدمه في هرم السلطة وصولاً إلى موقعه السيادي الحالي.
يمثل تعيين محسن رضائي في قيادة الأمن القومي رسالة مشفرة للعالم حول ملامح المرحلة الإيرانية المقبلة، والتي تتسم بالانغلاق الأمني والصلابة في الملفات الإقليمية. يبقى التساؤل المفتوح: هل تستطيع العقلية العسكرية الصرفة لرضائي المناورة في دهاليز الدبلوماسية الدولية المعقدة، أم أن المنطقة تتجه نحو صدام حتمي لا يمكن تفاديه؟






