تحولات الميدان: قراءة في أبعاد العمليات العسكرية في لبنان الاستراتيجية
تشهد العمليات العسكرية في لبنان في الوقت الراهن منعطفاً جذرياً يتجاوز الأنماط التقليدية للمواجهات، حيث تسعى القوى المهاجمة إلى صياغة واقع أمني جديد يعيد رسم الخارطة الميدانية. يرتكز هذا التوجه على تخطي الحدود الجغرافية المعتادة، مع تركيز مكثف على التغلغل في المناطق الواقعة خلف نهر الليطاني، بهدف فرض قواعد اشتباك تخدم الطموحات الاستراتيجية بعيدة المدى وتضمن تفوقاً ميدانياً ملموساً.
تعتمد هذه الاستراتيجية الممنهجة على تفكيك المنظومات الدفاعية في العمق اللبناني، وحرمان القوى المحلية من المزايا الطبيعية التي توفرها الجغرافيا الوعرة. ومن خلال عمليات التوغل البري المستمرة، يهدف الاحتلال إلى إحكام قبضته على التضاريس الجبلية الحاكمة، مما يوفر حماية للمستوطنات الشمالية ويقلل من فرص التهديدات المستقبلية عبر السيطرة المباشرة على نقاط القوة الجغرافية.
التكتيكات الميدانية وتقويض القدرات الدفاعية
أشارت تقارير صادرة عن بوابة السعودية إلى أن المجهود الحربي الحالي يركز بشكل أساسي على استنزاف المقدرات البشرية والتقنية للطرف الآخر عبر ضربات نوعية ومركزة. لم تعد دائرة الصراع مقتصرة على الخطوط الأمامية، بل امتدت لتشمل العمق اللوجستي، وهو ما أدى إلى ظهور نتائج ميدانية واضحة تؤثر على سير المعارك:
- إحداث خلل في منظومات القيادة والسيطرة نتيجة استهداف الكوادر الميدانية والقيادات الوسيطة.
- ضرب مراكز الإدارة الحيوية في مدن استراتيجية مثل صور، بهدف شل القدرة على التنسيق واتخاذ القرارات السريعة.
- قطع خطوط الإمداد وتدمير المسارات اللوجستية، مما قيد قدرة الوحدات القتالية على المناورة أو تعويض النقص في العتاد.
الأهمية الاستراتيجية للسيطرة على القمم الجبلية
تمثل السيطرة على المرتفعات الحاكمة، وفي مقدمتها موقع قلعة الشقيف التاريخي، ركيزة أساسية في المخطط العسكري الحالي. توفر هذه القمم ميزة “الإشراف الناري” التي تحول الطبيعة القاسية إلى سلاح استراتيجي فعال، وتبرز أهميتها من خلال عدة محاور:
- امتلاك رؤية استراتيجية شاملة للجنوب اللبناني تتيح رصد التحركات ومنع أي محاولات للاختراق.
- تهيئة الظروف الميدانية للتدخل الفعال في المناطق الواقعة خلف نهر الليطاني، تمهيداً لفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
- ممارسة ضغط عسكري ومعنوي عبر تعطيل شبكات الاتصال الميدانية، مما يربك التوجيه المركزي للمجموعات القتالية.
تحليل مخرجات السيطرة الميدانية وأثرها الاستراتيجي
| المجال | الأثر الميداني المتوقع |
|---|---|
| الجغرافيا | تحويل المرتفعات إلى نقاط مراقبة متقدمة تسيطر على مسرح العمليات بالكامل. |
| اللوجستيات | عزل الخطوط الدفاعية عن قواعد إمدادها، مما يسرع وتيرة استنزاف القدرات القتالية. |
| القيادة | تفكيك منظومات صنع القرار، مما يضطر الوحدات الميدانية للعمل بمعزل عن التوجيه. |
تواصل العمليات العسكرية في لبنان تصاعدها، حيث يتم استثمار الإمكانات التكنولوجية والجوية لكسر القواعد الميدانية التي استقرت لسنوات طويلة. ومع التوغل المستمر في العمق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه التحركات على تحقيق استقرار أمني مستدام في منطقة تتسم بالتعقيد الجيوسياسي.
ويبقى التساؤل المفتوح: هل ستنجح هذه الاستراتيجية في تحييد المخاطر الأمنية بشكل نهائي؟ أم أن الجغرافيا اللبنانية، المعروفة تاريخياً باستنزاف الجيوش، ستتحول مرة أخرى إلى فخ طويل الأمد يستهلك قدرات القوات المهاجمة في مواجهة لا يبدو أفق نهايتها قريباً؟






