تباين المواقف الأوروبية الأمريكية حول الأزمات الإقليمية
تُلقي تباين المواقف الأوروبية الأمريكية بظلالها على طبيعة العلاقات الثنائية، خاصة فيما يتعلق بأساليب التعامل مع التوترات الإقليمية. فقد شهدت الفترة الماضية رفضًا أوروبيًا واضحًا لعدد من العمليات العسكرية الموجهة نحو الشرق الأوسط، ما يكشف عن اختلافات جوهرية في الرؤى السياسية والاستراتيجية بين الجانبين. يتزامن هذا الموقف مع انتقادات حادة وجهها الرئيس الأمريكي السابق لحلفاء الناتو الأوروبيين، متهمًا إياهم بالتقاعس عن التعاون الفعال في النزاعات الراهنة.
رفض أوروبي للعمليات العسكرية
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها الأساسيين تصاعدًا في التوتر، نتيجة للحملة العسكرية المتنامية. وصفت شخصيات أمريكية بارزة حلفاء الناتو بأنهم “جبناء” لامتناعهم عن تقديم الدعم اللازم للولايات المتحدة في سياق الأحداث الإقليمية. يعكس هذا الوصف مدى الإحباط الأمريكي من المواقف الأوروبية المتحفظة والرافضة للانخراط في عمليات عسكرية معينة.
الموقف الفرنسي الرافض
أفادت تقارير بأن فرنسا لم تسمح بمرور طائرات محمّلة بإمدادات عسكرية ومتجهة إلى إسرائيل عبر مجالها الجوي. وقد أعرب الرئيس الأمريكي السابق عن استيائه من هذا القرار، مشددًا على أن فرنسا لم تُظهر أي تعاون في سياق التعامل مع الأوضاع الإقليمية. يؤكد هذا الرفض الفرنسي على سياسة باريس المستقلة في اتخاذ قراراتها السيادية.
أكدت الرئاسة الفرنسية دهشتها من التصريحات الأمريكية، موضحةً أن قرارها يتماشى مع سياستها الثابتة منذ بداية النزاع. وأشار دبلوماسيون ومصادر مطلعة إلى أن هذا الرفض يُعد الأول من نوعه لفرنسا منذ بداية التوترات في الثامن والعشرين من فبراير. كانت إسرائيل تسعى حينها لاستخدام المجال الجوي الفرنسي لنقل معدات أمريكية مخصصة للعمليات العسكرية.
إيطاليا تتبع النهج ذاته
على غرار الموقف الفرنسي، رفضت إيطاليا الأسبوع الماضي طلبًا بهبوط طائرات عسكرية أمريكية في قاعدة سيجونيلا الجوية بصقلية، وذلك قبل مواصلة طريقها إلى الشرق الأوسط. كانت بعض القاذفات الأمريكية، وفقًا لتقارير إعلامية، تعتزم الهبوط في القاعدة الواقعة شرق صقلية، مما يعكس تنسيقًا أوروبيًا في اتخاذ هذه القرارات الحساسة.
نفى وزير الدفاع الإيطالي لاحقًا وجود أي توترات مع واشنطن أو تغيير في السياسة الإيطالية. وأوضح أن القواعد الجوية الأمريكية لا تزال تعمل بشكل طبيعي، لكن واشنطن تحتاج إلى إذن خاص لاستخدام هذه القواعد لأغراض لا تتوافق مع الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين البلدين، مما يؤكد على سيادة الدول المضيفة وضرورة احترام الإجراءات المتفق عليها.
إسبانيا تدافع عن قرارها بحظر المجال الجوي
امتدت هذه الاختلافات لتشمل دولًا أوروبية أخرى، حيث دافعت إسبانيا عن قرارها بإغلاق مجالها الجوي بالكامل أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات العسكرية. يُعد رئيس الوزراء الإسباني من أبرز المنتقدين للعمليات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، مما يعكس موقفًا سياسيًا ثابتًا ومبدئيًا.
وفقًا لما نقلته بوابة السعودية، أكدت وزيرة الدفاع الإسبانية أن مدريد لن تسمح باستخدام قواعدها إلا لأغراض الدفاع الجماعي عن شركاء حلف شمال الأطلسي (الناتو). وأشارت إلى أن حظر استخدام المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في النزاع ساري المفعول منذ بداية التوترات في الثامن والعشرين من فبراير.
صرح وزير الخارجية الإسباني في مقابلة تلفزيونية بأن مدريد لا تشعر بالقلق إزاء أي أعمال انتقامية محتملة. وأضاف: “لا نخشى شيئًا على الإطلاق… كيف لدولة أن تخشى شيئًا لمجرد التزامها بالقانون الدولي والسلام العالمي وميثاق الأمم المتحدة؟ أي عالم سنعيش فيه إذا كان الذين يحترمون القانون هم من يتعين عليهم الخوف؟”. يعكس هذا التصريح إيمان إسبانيا الراسخ بمبادئ القانون الدولي وأهمية الالتزام بها.
دعوة للتحرك في مضيق هرمز
في ظل هذه التطورات، نشر الرئيس الأمريكي السابق منشورًا آخر موجهًا حديثه إلى الدول التي تواجه صعوبة في الحصول على وقود الطائرات بسبب إغلاق مضيق هرمز، ومن ضمنها بريطانيا. اقترح: “أولًا، اشتروا من الولايات المتحدة، لدينا وفرة، وثانيًا، تحلوا ببعض الشجاعة، واذهبوا إلى المضيق، وسيطروا عليه”.
تُظهر هذه المواقف المتضاربة تباينًا كبيرًا في الرؤى بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين بشأن كيفية التعامل مع التحديات الإقليمية المعقدة، مثل الصراع مع إيران. فهل ستستمر هذه الاختلافات في التعميق وتغيير ملامح التحالفات التقليدية، أم أن هناك مساعي دبلوماسية لتوحيد الصفوف في ظل التحديات الجيوسياسية العالمية؟ وكيف ستؤثر هذه التباينات على مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية؟











