تعزيز الاستدامة في التصميم: رؤية إقليمية لمستقبل عمراني مبدع
في عالم يواجه تحديات بيئية متزايدة وتطلعات نحو مستقبل أكثر استدامة، يتصاعد دور التصميم ليصبح حجر الزاوية في بناء بيئات عمرانية وإبداعية تتناغم مع متطلبات الحاضر والمستقبل. لم تعد الاستدامة مجرد مفهوم بيئي ضيق، بل أصبحت فلسفة شاملة تتغلغل في كافة جوانب الحياة، من التخطيط الحضري إلى أدق تفاصيل التصميم المعماري والداخلي. ضمن هذا السياق الحيوي، تبرز الجهود المبذولة لترسيخ هذه المبادئ، خاصة تلك التي تهدف إلى جمع الخبراء وصناع القرار لتبادل المعرفة وصياغة رؤى مبتكرة تدفع عجلة التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة.
تجسيدًا لهذه الرؤية، استضافت العاصمة السعودية الرياض، في الفترة من 15 إلى 16 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 17 إلى 18 نوفمبر 2024م، النسخة الأولى من مؤتمر الاستدامة في التصميم. هذا الحدث البارز، الذي نظمته هيئة فنون العمارة والتصميم التابعة لوزارة الثقافة، شكل محطة مهمة لتعزيز الاستدامة من خلال مبادرات محلية وعالمية. شارك في المؤتمر نحو 30 متخصصًا وخبيرًا من رواد الفكر في مجالات العمارة والتصميم، حيث ناقشوا سبل دمج الممارسات المستدامة في صميم العملية التصميمية.
أهداف المؤتمر: ريادة إقليمية نحو بيئة مستدامة
تجاوز مؤتمر الاستدامة في التصميم مجرد كونه منصة للنقاش، إذ سعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الطموحة التي ترسخ مكانة المملكة العربية السعودية كقوة دافعة نحو الاستدامة على الصعيد الإقليمي. كان الهدف الأسمى هو تحقيق الريادة في دمج مفاهيم الاستدامة ضمن البيئة العمرانية والإبداعية، مع التركيز على دور التصميم كأداة محورية لتحقيق هذه الغاية. وقد تضمنت الأهداف كذلك رفع الوعي العام بمفاهيم التصميم المستدام، وتشجيع التعاون البيني بين مختلف أصحاب المصلحة في منظومة العمارة والتصميم، مما يسهل تبادل الخبرات والمعارف وتنسيق الجهود.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل ركز المؤتمر أيضًا على ترسيخ مبادئ التصميم المستدام في المؤسسات التعليمية، لضمان نشأة جيل واعٍ ومؤهل لقيادة مسيرة الاستدامة. بالإضافة إلى ذلك، أكد المؤتمر على أهمية دور التصميم في دعم أجندة الاستدامة على المستويين المحلي والدولي، وذلك من خلال تسليط الضوء على الحلول المبتكرة والممارسات الفضلى التي يمكن تطبيقها على نطاق واسع.
محاور نقاشية: توازن بين الابتكار والمسؤولية البيئية
تماشيًا مع أهدافه الطموحة، تناول مؤتمر الاستدامة في التصميم عددًا من المحاور البحثية والعملية الهامة التي تهدف إلى إحداث توازن دقيق بين الابتكار والتطوير المستدام، لمواجهة التحديات البيئية الراهنة والمستقبلية.
الممارسة المستدامة والتعليم البيئي
كان من أبرز المحاور التركيز على الممارسة المستدامة، التي تعنى بتطبيق مبادئ تقليص الأثر البيئي ودعم كفاءة استخدام المواد في كافة مراحل التصميم. يهدف هذا المحور إلى تشجيع المصممين والمهندسين على تبني منهجيات تقلل من الهدر وتزيد من فعالية الموارد. إلى جانب ذلك، شكل التعليم البيئي محورًا حيويًا، حيث تم التأكيد على أهمية غرس الوعي بمفاهيم الاستدامة لدى الأجيال القادمة، وذلك لتمكينهم من اتخاذ قرارات بيئية مسؤولة تسهم في بناء مستقبل أفضل.
البحث والتطوير والسلوك المستدام
كما أولى المؤتمر اهتمامًا كبيرًا بـالبحث والتطوير، بهدف استكشاف تقنيات مبتكرة ووضع حلول فعالة للتحديات البيئية المعقدة. هذا يشمل تطوير مواد جديدة وتقنيات بناء مستدامة. علاوة على ذلك، ركز المؤتمر على أهمية السلوك المستدام، داعيًا إلى تبني أنماط حياة تسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز البيئة المستدامة. وقد امتد هذا التركيز ليشمل تطوير تصاميم حضرية تدعم رفاهية الإنسان وتحقق التوازن البيئي، مما يعكس فهمًا عميقًا للترابط بين الإنسان وبيئته العمرانية.
فعاليات المؤتمر: منصة للإبداع والابتكار المستدام
لم يكن مؤتمر الاستدامة في التصميم مجرد سلسلة من المحاضرات، بل كان حدثًا تفاعليًا غنيًا بالفعاليات التي أثرت التجربة المعرفية للمشاركين.
مختبر الاستدامة والمعرض المصاحب
كان من أبرز هذه الفعاليات مختبر الاستدامة، الذي عمل كمنصة تفاعلية استعرضت أحدث الممارسات والأبحاث في مجال الاستدامة، مما أتاح فرصة لتبادل الأفكار والخبرات بين المتخصصين. بالإضافة إلى ذلك، أقيم معرض مصاحب يعنى بعرض المشاريع المبتكرة والحلول التصميمية التي تدعم البيئة المستدامة. شمل المعرض تقنيات البناء المستدام، واستخدام مواد بيئية مبتكرة، وتصميم مدن ذكية تراعي حفظ الموارد الطبيعية، ودمج تقنيات الطاقة المتجددة، وتحسين العزل الحراري في المباني. عكست هذه الفعاليات التزامًا راسخًا بتقديم حلول عملية ومبتكرة تسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة.
و أخيرًا وليس آخرًا
لقد شكل مؤتمر الاستدامة في التصميم حدثًا محوريًا في مسيرة المملكة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مقدمًا رؤية شاملة لكيفية دمج الاستدامة في صميم الفكر التصميمي. من خلال الجمع بين الخبراء، وتقديم المحاور النقاشية العميقة، وعرض الابتكارات، وضع المؤتمر حجر الأساس لمستقبل تتناغم فيه البيئة العمرانية مع البيئة الطبيعية. فهل ستنجح هذه المبادرات الطموحة في تحويل مدننا إلى نماذج عالمية للعيش المستدام، وتلهم أجيالًا جديدة من المصممين لابتكار حلول تحدث فرقًا حقيقيًا في وجه كوكبنا؟











