المدن الصناعية في السعودية: قاطرة التحول الصناعي نحو مستقبل اقتصادي مستدام
تُعد الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) التي تأسست عام 1422هـ (2001م) بقرار مجلس الوزراء، ومقرها الرئيس في الرياض، ركيزة أساسية في تشكيل المشهد الصناعي والتنموي بالمملكة. يتجاوز دورها تطوير الأراضي والبنى التحتية، ليشمل الإشراف الفعال على المجمعات والمدن الصناعية الخاصة ومناطق التقنية. بذلك، تشكل مدن محورًا استراتيجيًا يدعم التنوع الاقتصادي ويحقق أهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة. تتجلى رؤيتها في إيجاد بيئة صناعية متكاملة ومستدامة تجذب الاستثمارات وتعزز الابتكار.
أهداف استراتيجية للتنمية الشاملة
تتعدى أهداف مدن الحدود التقليدية للهيئات الحكومية، إذ تسعى لتطوير وإدارة مدن صناعية ومناطق تقنية بمعايير عالمية. يتم ذلك من خلال شراكات وثيقة مع القطاعين العام والخاص، بهدف الإسهام بفعالية في التنمية الاقتصادية الشاملة للمملكة. تعمل مدن على تهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوفر نماذج عمل مبتكرة ومستدامة.
كما تركز على تقديم منتجات وخدمات عالية الجودة تضيف قيمة حقيقية للشركاء. يشمل ذلك تنمية رأس المال البشري وتحديث القدرات الرقمية في القطاع الصناعي، مما يعزز قدرة المملكة التنافسية.
تعزيز الشراكات والاستثمار
وضعت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية استراتيجية واضحة لاستثمار شراكاتها مع القطاعين الحكومي والخاص على النحو الأمثل. لقد ساعدت المزايا والحوافز التي تقدمها في المدن الصناعية على استقطاب شركات عالمية رائدة.
بحلول منتصف عام 2023، تجاوزت الاستثمارات التي جذبتها مدن 370 مليار ريال. يعكس هذا الرقم الثقة المتزايدة في البيئة الصناعية بالمملكة، ويوضح الجاذبية الاستثمارية التي تتمتع بها مدنها.
كما أولت مدن اهتمامًا خاصًا بتعزيز مشاركة المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال والمرأة السعودية في التنمية الصناعية. يأتي هذا بجانب دعم الشركات الكبرى والقطاع الخاص، ضمن سعيها لتطوير المنتجات والخدمات، والإسهام الفعال في تحقيق هدف رؤية السعودية 2030 المتمثل في تنويع الاقتصاد الوطني بالاعتماد على الصناعة محركًا للنمو.
الخدمات والمنتجات الداعمة للقطاع الصناعي
تقدم مدن مجموعة متكاملة من الخدمات والمنتجات، المصممة لدعم خطط المملكة في النهوض بالقطاع الصناعي وتنويع مصادر الدخل. لا تقتصر هذه الخدمات على المستثمرين فحسب، بل تمتد لتشمل المقاولين والمكاتب الهندسية، موفرة بيئة عمل محفزة وشاملة.
تبسيط الإجراءات وتسريع التراخيص
تلتزم مدن بتبسيط وتسريع الإجراءات لخدمة المستثمرين، حيث يمكن للمهتمين الحصول على تخصيص للأراضي خلال 16 يوم عمل. كما تصدر رخص التشغيل وإتمام البناء خلال 6 أيام عمل. تتيح الهيئة التقديم على منتجاتها المتنوعة التي تشمل استئجار أراضٍ للأغراض الصناعية والاستثمارية والسكنية، إضافة إلى المشروعات اللوجستية والمصانع الجاهزة.
تقدم مدن أيضًا خدمات الاستعلام والتراخيص والعقود، وتأهيل المكاتب الهندسية والمقاولين. يشمل ذلك إصدار المستندات اللازمة لإنجاز الأعمال واعتمادها، مما يضمن الكفاءة والشفافية في التعاملات.
الحلول الرقمية المبتكرة
ضمن برنامجها للتحول الرقمي، أطلقت مدن مجموعة من الحلول والمنصات الرقمية المتقدمة، لتحسين تجربة المستفيدين وتبسيط العمليات. من أبرز هذه المنصات نظام شريك، وبوابة الموردين، وخرائط مدن (GIS) التي توفر معلومات جغرافية دقيقة.
تضم المنصات أيضًا منصة تأهيل مقاول، ومنصات لتقديم رخص التشغيل وإتمام البناء، وبوابة e-Modon، إلى جانب العيادات الاستشارية للملكية الفكرية وتأهيل المكاتب الاستشارية. تعكس هذه الأدوات الرقمية التزام مدن بالابتكار ومواكبة التطورات التقنية.
منتجات مدن المحفزة للنمو الصناعي
تقدم مدن باقة متنوعة من المنتجات التي تدعم نمو القطاع الصناعي، وتشمل الأراضي الصناعية، والأراضي الخدمية، والمصانع الجاهزة، والمصانع الصغيرة. إضافة إلى ذلك، توفر حلولًا لوجستية متكاملة ومنتجات مالية مبتكرة مثل أرض وقرض صناعي ومصنع وقرض.
يُعد منتج “أسس” من أبرز المنتجات، حيث يتيح الحصول على مصنع جاهز وتمويل للمشروعات الصناعية الصغيرة داخل المدن الصناعية. هذا يحفز ريادة الأعمال ويسهم في تنويع الاقتصاد.
تمكين المرأة: دور محوري في التنمية الصناعية
أولت مدن اهتمامًا كبيرًا بتمكين المرأة السعودية في القطاع الصناعي، إيمانًا منها بدورها المحوري في التنمية الوطنية. شهدت المدن الصناعية ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الموظفات.
وصل عددهن إلى 17 ألف موظفة في عام 2020، مقارنة بـ 7860 موظفة بنهاية عام 2018. هذه الزيادة تقارب 120%، وتعكس جاذبية القطاع للعنصر النسائي بفضل المنتجات والخدمات والحلول التمويلية المصممة لدورهن في الاقتصاد الوطني.
من بين المبادرات الداعمة، أطلقت مدن خمس واحات صناعية في جدة، وينبع، والجوف، والأحساء، والقصيم. تضمنت هذه الواحات حاضنات للأطفال، وأماكن مخصصة لانتظار السيارات، ومراكز طبية وترفيهية. كما وفرت مصانع جاهزة بمساحات 1500م² و700م² لدعم رائدات ورواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. تعزز هذه الخطوات بيئة العمل الشاملة وتدعم مساهمة المرأة في الصناعة.
الاستدامة البيئية: نحو مدن صناعية خضراء
في إطار سعيها للتحول إلى مدن صناعية خضراء وصديقة للبيئة، تمتلك مدن نظامًا بيئيًا متطورًا باسم نظام مدن للإدارة البيئية (MEMS). أطلق هذا النظام في عام 2013 بالتعاون مع شركتي فوجيتسو اليابانية والسعودية قطاع البيئة (Saudi Envirozone). يهدف النظام إلى دعم وتطوير الخدمات البيئية في المدن الصناعية، ومتابعة أدائها البيئي، وتطبيق اللوائح التنفيذية لنظام البيئة بدقة.
ضمن مشروعات التشجير، تم زرع 173 ألف شتلة صحراوية وزيادة عدد الأشجار المغروسة إلى 75,630 شجرة. بلغت مساحة الرقعة الخضراء، التي تشمل الأشجار والبحيرات والنوافير، حوالي 1.8 مليون م². تعمل مدن أيضًا بالتعاون مع وزارة البيئة والمياه والزراعة لزرع مليون شجرة في المدن الصناعية. يأتي ذلك ضمن مبادرة التشجير وتنمية الغطاء النباتي الطبيعي، بما يتماشى مع مخططات حماية البيئة ودعم الحياة الفطرية وتقليل آثار ظاهرة الزحف الصحراوي.
نفذت مدن مشروع بحيرة مدن في المدينة الصناعية الثانية بالدمام. تُعد هذه البحيرة أكبر بحيرة صناعية مطورة في المملكة بمساحة 400 ألف م²، منها 210 آلاف م² مساحة للبحيرة ذاتها بنسبة 52%. تضم البحيرة 760 نخلة وممرات للمشاة بطول 4 كيلومترات، وممشى بطول 10 كيلومترات. تحتضن البحيرة مشروعات ذات صلة بالمسؤولية الاجتماعية لمدن، مثل مشروع مركز مدن تك الذي يهدف إلى رفع وعي الطلاب والطالبات وأولياء أمورهم بالصناعة والثورة الصناعية الرابعة.
إنجازات مدن ودورها الريادي
تشرف مدن حاليًا على 36 مدينة صناعية قائمة وتحت التطوير في مختلف أنحاء المملكة، بالإضافة إلى إشرافها على المجمعات والمدن الصناعية الخاصة ومناطق التقنية. تصل مساحة الأراضي الصناعية المطورة ما يقارب 200 مليون م²، وتضم المدن الصناعية القائمة أكثر من 4 آلاف مصنع، بين منتج وقائم وتحت الإنشاء والتأسيس.
بحلول منتصف عام 2023، بلغ عدد العقود الصناعية والاستثمارية والخدمية واللوجستية 7018 عقدًا. يعمل فيها 571,850 موظفًا، منهم 211,130 موظفًا سعوديًا و17 ألف موظفة سعودية. تعكس هذه الأرقام حجم العمليات الكبير والإسهام الهائل في توفير فرص العمل.
نالت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية 6 شهادات من المنظمة الدولية للمعايير (IOS). تغطي هذه الشهادات نظام إدارة الجودة، ورضا العملاء، والتعامل مع الشكاوى، ونظام إدارة الابتكار، ونظام إدارة الصحة والسلامة المهنية، ونظام إدارة استمرارية الأعمال. نجحت الهيئة، من خلال برنامج الإنتاجية الوطني، في تدريب أكثر من 450 قياديًا من 76 مصنعًا على مفاهيم الثورة الصناعية الرابعة، بالتعاون مع شركاء تقنيين عالميين. استحوذ 58 مصنعًا في مدن على تقييم مؤشر SIRI الدولي لقياس مستوى تبني المنشآت لتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، مما يؤكد التزامها بالتطور التقني والتميز الصناعي.
و أخيرا وليس آخرا
لقد رسخت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) مكانتها كقوة دافعة خلف التحول الصناعي في المملكة. لقد ترجمت رؤية طموحة إلى واقع ملموس من التنمية المستدامة والابتكار. من خلال استراتيجياتها الشاملة، وخدماتها المتطورة، وحلولها الرقمية، ومبادراتها في تمكين المرأة وحماية البيئة، لم تكتفِ مدن بإنشاء بيئة جاذبة للاستثمار، بل أسهمت بفعالية في بناء اقتصاد وطني متنوع وقوي. تظل المدن الصناعية محطات حيوية تسهم في تعزيز القدرة التنافسية للمملكة عالميًا. ومع كل هذا التقدم، كيف ستتطور هذه المدن لتواكب التحديات المستقبلية، وتبقى في طليعة الابتكار الصناعي العالمي؟











