تطور قطاع الطاقة والمياه: نظرة على مسيرة أكوا باور الرائدة
تُعدّ أكوا باور نموذجًا بارزًا لقصص النجاح الوطني التي تجسّد التحوّل الكبير في قطاع الطاقة والمياه بالمملكة العربية السعودية، وذلك في سياق رؤية وطنية أوسع تهدف إلى إشراك القطاع الخاص في شرايين الاقتصاد الحيويّة. منذ تأسيسها، لم تقتصر مسيرة الشركة على كونها مطوّرًا ومستثمرًا ومشغلًا للمشاريع فحسب، بل امتد تأثيرها ليصبح محركًا أساسيًا للتنمية المستدامة والابتكار في مجال توليد الكهرباء وتحلية المياه، ليس فقط داخل المملكة بل وعبر حدودها الإقليمية والدولية. إنّ دراسة مسيرة هذه الشركة تفتح نافذة على الفلسفة الاقتصادية المتغيرة التي تبنتها المملكة، والتي تركز على تنويع مصادر الدخل وتوطين الخبرات.
نشأة عملاق سعودي: أكوا باور من التأسيس إلى العالمية
تأسست شركة أكوا باور بتاريخ 2 رجب 1429هـ الموافق 5 يوليو 2008م، ومقرّها العاصمة الرياض، لتشكل نقطة تحول في المشهد الاقتصادي السعودي. جاءت هذه الخطوة كاستجابة مباشرة للتوجهات الحكومية التي بدأت في عام 2002م، بموجب قرار المجلس الاقتصادي الأعلى 5/23 وتاريخ 23 صفر 1423هـ الموافق 3 يونيو 2002م. هذا القرار فتح الباب أمام شركات القطاع الخاص للدخول التدريجي في قطاعات إنتاج الكهرباء وتحلية المياه، بهدف تملك الأصول وتشغيلها. كان هذا التوجه يمثل نقلة نوعية من الاعتماد الكلي على الجهات الحكومية إلى شراكة استراتيجية مع القطاع الخاص، مما يعكس رؤية ثاقبة لتحقيق الكفاءة وتعزيز القدرة التنافسية.
الانطلاق من رؤية استراتيجية
لم تكن نشأة أكوا باور وليدة صدفة، بل جاءت تتويجًا لجهود سبقتها في هذا المجال. تعود البداية إلى عام 2004م عندما أسست شركات رائدة مثل عبدالله أبونيان التجارية وعبدالقادر المهيدب وأولاده (التي أصبحت فيما بعد جزءًا من رؤية العالمية للاستثمار) ومجموعة مدى للاستثمار الصناعي (المعروفة الآن بالراجحي القابضة)، شركة أعمال المياه والطاقة العربية. هذه التكتلات المبكرة أدركت الفرص الواعدة في أسواق الكهرباء وتحلية المياه بالمملكة، وبدأت في بناء الخبرات اللازمة.
محطات مفصلية في التوسع
شهدت الأعوام الأولى لشركة أعمال المياه والطاقة العربية نجاحات متتالية، ففي عام 2005م فازت بمناقصات مشاريع كبرى مثل مشروع الشعيبة لإنتاج المياه والطاقة ومشروع بترو رابغ. تبع ذلك في عام 2006م الفوز بمشروعي الشقيق ومرافق، مما رسخ مكانتها كلاعب رئيسي في القطاع. وفي عام 2008م، تم تأسيس الشركة الحالية من قبل مجموعة الراجحي القابضة ورؤية للاستثمار ومحمد عبدالله راشد أبونيان وسليمان عبدالقادر المهيدب وأحمد سليمان الراجحي، وذلك للاستحواذ على شركة أعمال المياه والطاقة العربية وتوسيع استراتيجيتها لتشمل الأسواق ذات النمو المرتفع خارج المملكة العربية السعودية. منذ ذلك الحين، أصبحت الشركة هي الشركة القابضة للمجموعة، مما يعكس طموحًا عابرًا للحدود.
الانتشار والاستثمار: بصمة أكوا باور العالمية
تُعدّ أكوا باور اليوم من الشركات المساهمة المدرجة في السوق المالية السعودية “تداول السعودية”، حيث أدرجت أسهمها بتاريخ 11 أكتوبر 2021م. تُتداول أسهمها في السوق الرئيسية ضمن قطاع المرافق العامة، تحت رمز 2082، برأسمال يبلغ 7.31 مليارات ريال. هذا الإدراج يؤكد على الثقة المتنامية في قدرتها على النمو ومساهمتها في الاقتصاد الوطني، كما يتيح للمستثمرين فرصة المشاركة في مسيرتها التنموية.
محفظة استثمارية ضخمة
تجسد محفظة أعمال أكوا باور حجم طموحها وتوسعها، فهي تضم 77 محطة تنتشر في 12 دولة، تشمل مناطق الشرق الأوسط وشمال وجنوب أفريقيا وجنوب شرق آسيا. يعمل لدى الشركة أكثر من 4 آلاف موظف، يسهمون في إدارة وتشغيل هذه المشاريع العملاقة. وتبلغ القيمة الاستثمارية لمشاريع الشركة 82.8 مليار دولار، بقدرة إنتاجية تصل إلى 53.7 جيجاواط من الكهرباء، و7.6 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة يوميًّا. هذه الأرقام تعكس دورها الحيوي في تلبية احتياجات الطاقة والمياه المتزايدة على مستوى عالمي.
أنشطة تشغيلية متنوعة
يتمثّل النشاط الأساسي للشركة في تطوير وتشغيل محطات الطاقة وتحلية المياه، محليًّا ودوليًّا. تشمل هذه الأنشطة:
- توليد وتوزيع وبيع الطاقة الكهربائية بالجملة.
- تحلية المياه.
- إنشاء محطات الطاقة الكهربائية والمحولات.
- إصلاح وصيانة محطات الطاقة الكهربائية والمحولات.
- البيع بالجملة للمياه المحلاة.
- تطوير وإنشاء وتملك وتأجير محطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه المالحة والبخار، بالإضافة إلى الأنشطة المتصلة بذلك.
- صيانة وتشغيل محطات الكهرباء والبخار وتحلية المياه المالحة.
- شراء محطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه المالحة والعقارات والمنقولات اللازمة لتنفيذ أغراض الشركة.
و أخيرًا وليس آخرًا
لقد استعرضنا في هذا المقال مسيرة أكوا باور كلاعب محوري في قطاع الطاقة والمياه، بدءًا من نشأتها المحلية استجابة لتوجهات حكومية لخصخصة القطاعات الحيوية، وصولًا إلى تمددها العالمي ومحفظتها الاستثمارية الضخمة. تبرز هذه الشركة كنموذج يوضح كيف يمكن للقطاع الخاص أن يكون شريكًا فاعلًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتأمين الاحتياجات الأساسية للدول. إن تطور أكوا باور يعكس ليس فقط النمو الاقتصادي، بل أيضًا التحول الفكري في إدارة الموارد والطاقة. فهل ستستمر هذه الشركات الرائدة في قيادة الابتكار وتطوير حلول جديدة لمواجهة التحديات البيئية والمناخية العالمية، لتصبح بذلك جزءًا لا يتجزأ من مستقبل الطاقة النظيفة والمياه المستدامة؟











