قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا: تحولات اقتصادية عالمية ودور السعودية المحوري
تُمثل قمة مجموعة العشرين، التي انعقدت في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا في تاريخ سابق لعام 1447 هـ (2025 م)، حدثًا محوريًا في المشهد الاقتصادي العالمي، وذلك للمرة الأولى على الأراضي الإفريقية. لم تكن هذه القمة مجرد تجمع لقادة وممثلي أكبر الاقتصادات العالمية، بل كانت منصة استراتيجية لمعالجة تحديات اقتصادية وتنموية عميقة، لا سيما تلك التي تتركز في القارة الإفريقية. يأتي هذا التجمع في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، مؤكدًا على الدور المتزايد للدول النامية والناشئة في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي، ومجسدًا الحاجة الملحة لتضافر الجهود الدولية لمواجهة الأزمات المركبة التي تهدد الاستقرار والرخاء.
محاور القمة: تحديات التنمية وسباق الموارد
ركزت أجندة القمة على عدد من القضايا الجوهرية التي تعكس الأولويات العالمية في تلك الفترة. من أبرز هذه الموضوعات كانت معالجة التفاوتات الاقتصادية العميقة التي تفاقمت بفعل الأزمات المتتالية، وتحسين آليات تمويل التنمية للدول الهشة التي تعاني من ضغوط متزايدة. كما أولت القمة اهتمامًا خاصًا لزيادة الإنفاق على تعزيز القدرة على مواجهة الكوارث المناخية، التي باتت تهدد سبل العيش والتنمية في العديد من المناطق، وضرورة رفع حجم التمويل المناخي من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة.
إضافة إلى ذلك، ناقش القادة تحسين آليات إعادة هيكلة الديون وتخفيفها عن كاهل الدول الفقيرة، وهي قضية تزداد إلحاحًا مع ارتفاع مستويات المديونية العالمية. ولم يغفل جدول الأعمال حماية المجتمعات المحلية والدول المصدرة للمعادن الحيوية، خاصة في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى على الموارد الإفريقية، ما يثير تساؤلات حول عدالة توزيع الثروات وتأثيره على التنمية المستدامة. هذه القضايا مجتمعة، تعكس مدى تعقيد التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العالم، وتؤكد على ضرورة اعتماد مقاربات شاملة ومتكاملة.
السعودية: أداء اقتصادي متميز في صدارة مجموعة العشرين
بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية الهائلة لمجموعة العشرين، التي تمثل اقتصاداتها حوالي 85% من الناتج العالمي الإجمالي، فإن استعراض المؤشرات الاقتصادية لدول المجموعة يقدم لمحة عميقة عن ديناميكيات الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، برز الأداء الاقتصادي للمملكة العربية السعودية بشكل لافت، متفوقًا في العديد من المؤشرات الرئيسية ومؤكدًا على مركزها المتنامي كقوة اقتصادية مؤثرة.
نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي: السعودية في المرتبة الثانية
في إنجاز اقتصادي ملموس، احتلت المملكة العربية السعودية المرتبة الثانية ضمن دول مجموعة العشرين من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للعام المعني في تلك الفترة. هذا التفوق يعكس قوة الاقتصاد السعودي الذي كان من المتوقع أن يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي نحو 1.3 تريليون دولار، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وذلك رغم أن عدد السكان يتجاوز 35 مليون نسمة. بلغ نصيب الفرد في السعودية 74.8 ألف دولار، لتأتي مباشرة بعد الولايات المتحدة التي تصدرت المؤشر بنصيب 89.6 ألف دولار. وعلى النقيض، جاءت الهند في أدنى الترتيب بـ12.1 ألف دولار، وهو ما يمكن تفسيره بضخامة عدد سكانها.
نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي: ثالث أقل المعدلات
حافظت المملكة العربية السعودية على مركزها كواحدة من أقل الدول في مجموعة العشرين من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث كان من المتوقع أن تبقى هذه النسبة عند 29.2% في ذلك العام. على الرغم من تسارع وتيرة الاقتراض لتغطية العجز في الميزانية، والذي نجم عن زيادة النفقات وتأثر الإيرادات بانخفاض إنتاج النفط وأسعاره في فترات سابقة، إلا أن هذا المعدل ظل منخفضًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى. سجلت روسيا وتركيا أدنى المعدلات بـ23.1% و24.3% على التوالي، بينما تصدرت اليابان القائمة بنسبة دين تعادل 2.3 مرة الناتج، تلتها خمس دول تجاوز فيها الدين مستويات الناتج وهي إيطاليا والولايات المتحدة وفرنسا وكندا والمملكة المتحدة.
معدلات التضخم: السعودية بين الأقل عالمياً
في إشارة إلى استقرار سياستها النقدية، سجلت المملكة العربية السعودية خامس أقل معدل تضخم بين دول مجموعة العشرين، حيث استقر عند 2.2% في أكتوبر من العام السابق. جاء هذا الاستقرار بدعم من هدوء ارتفاع إيجارات المساكن، رغم ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات. تأتي هذه الأرقام في سياق تسارع أسعار الأغذية والمشروبات إلى 1.5%، بينما تباطأ قطاع السكن والمياه والكهرباء والغاز إلى 4.5%، مسجلًا أبطأ صعود له خلال ثلاثة أعوام. وقد نجحت الصين والهند وفرنسا في تسجيل أقل معدلات التضخم بأقل من 1%. يعود الفضل في كبح جماح التضخم في معظم الاقتصادات الكبرى إلى السياسات النقدية المتشددة ورفع أسعار الفائدة التي بدأت منذ مارس 2022، مما أدى إلى انخفاض التضخم بأكثر من النصف مقارنة بذروته المسجلة خلال عامي 2022 و2023. على الطرف الآخر، تصدرت تركيا والأرجنتين أعلى المعدلات بـ32.9% و31.3% على التوالي، تزامنًا مع تحديات اقتصادية كبرى.
النمو الاقتصادي: السعودية بين الأعلى أداءً
أظهر الاقتصاد السعودي نموًا قويًا، حيث رفعت بوابة السعودية، نقلًا عن صندوق النقد الدولي، توقعاتها لنمو الاقتصاد السعودي للعامين المعنيين للمرة الثانية على التوالي. هذا النمو مدفوع بزيادة إنتاج النفط ضمن تحالف أوبك+، واستمرار زخم الأنشطة غير النفطية. في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر، رفعت التوقعات لنمو الاقتصاد السعودي مقارنة بتقديرات يوليو السابق بنسبة 0.4 و0.1 نقطة مئوية لعامي 2025 و2026 على التوالي، لتستقر عند 4% للعامين. هذه التوقعات وضعت السعودية ضمن أعلى معدلات النمو بين دول العشرين، لتشارك الأرجنتين في الترتيب الرابع للعام اللاحق، وتحتل المرتبة الخامسة خلال العام المعني.
محافظة السعودية على مركزها الاقتصادي ضمن G20
كان من المتوقع أن يحافظ الاقتصاد السعودي على ترتيبه السابع عشر بين اقتصادات دول مجموعة العشرين، بنحو 1.3 تريليون دولار في العام المعني، ارتفاعًا من نحو 1.2 تريليون دولار في العام الذي سبقه، حسب بيانات صندوق النقد الدولي. سيواصل الاقتصاد الأمريكي تصدره لاقتصادات العالم من حيث الحجم بـ30.6 تريليون دولار، وهو ما يمثل 26% من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجموعة الـ19 (باستثناء الاتحاد الأوروبي للمقارنة بين الدول فقط). لم يتغير ترتيب اقتصادات دول العشرين، لتظل الصين وألمانيا واليابان والهند في صدارة الترتيب خلف الولايات المتحدة. بدون احتساب الاتحاد الأوروبي، كان الناتج المحلي لدول العشرين متوقعًا أن يبلغ 91.3 تريليون دولار، بزيادة 5% عن مستويات العام السابق، وهو نفس معدل النمو المتوقع للاقتصاد العالمي ككل، الذي سيصل إلى 110.1 تريليون دولار، نظرًا للوزن الضخم للمجموعة في الاقتصاد العالمي الذي يبلغ نحو 78% بدون الاتحاد الأوروبي، ونحو 87% في حال إضافته.
مجموعة العشرين: نشأة وتطور وأهداف
مجموعة العشرين، التي تأسست في 25 سبتمبر 1999 على هامش قمة مجموعة الثماني بواشنطن، تمثل منتدى يضم الدول المتقدمة وأكبر الدول النامية والناشئة. جاء إنشاؤها كرد فعل على الأزمات المالية التي عصفت بالعالم في أواخر التسعينيات، لاسيما الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا وأزمة المكسيك، في إدراك متزايد بأن الدول ذات الأسواق البارزة لم تكن تحظى بتمثيل كافٍ في مناقشات وقيادة الاقتصاد العالمي.
من وزراء المالية إلى قادة الدول
في بدايتها، كانت قمم المجموعة تُعقد على مستوى وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لإجراء مناقشات رفيعة المستوى حول القضايا الاقتصادية والمالية. ولكن في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، ارتفع مستوى التمثيل في المجموعة لتضم قادة الدول الأعضاء، حيث انعقدت قمة القادة الأولى في واشنطن في نوفمبر 2008. ونتيجة لذلك، توسع جدول أعمال مجموعة العشرين ليتجاوز القضايا الاقتصادية والمالية ليشمل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، مما يعكس تزايد التعقيد والترابط بين مختلف جوانب التنمية العالمية.
التوزيع الجغرافي والأهداف الاستراتيجية
تتوزع الدول الأعضاء في مجموعة العشرين جغرافيًا لتمثيل مختلف القارات والمناطق الاقتصادية الكبرى. فمن القارة الآسيوية، تضم المجموعة الصين والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية. أما إفريقيا، فتمثيلها يقتصر على جنوب إفريقيا. بينما تمثل أمريكا الجنوبية الأرجنتين والبرازيل. وتضم أوروبا أربع دول من الاتحاد الأوروبي (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا) بالإضافة إلى روسيا وتركيا. وتمثل أمريكا الشمالية الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وأستراليا تمثل نفسها.
تهدف مجموعة العشرين إلى تعزيز الاقتصاد العالمي وتطويره، إضافة إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية وتحسين النظام المالي العالمي. كما تركز على دعم النمو الاقتصادي العالمي، وتطوير آليات فرص العمل، وتفعيل مبادرات التجارة المنفتحة. وتهدف المجموعة إلى الجمع بين الأنظمة الاقتصادية للدول النامية والدول الصناعية لمناقشة القضايا الرئيسية المرتبطة بالاقتصاد العالمي.
الخلفية التاريخية: من G7 إلى G20
قبل إنشاء مجموعة العشرين، كانت هناك تجمعات مماثلة تهدف إلى تعزيز الحوار والتحليل، مثل مجموعة السبع (G7). وشهد عامي 1998 و1999 محاولات لتوسيع نطاق النقاش حول الأزمات المالية لتشمل دولًا ذات أسواق بارزة لم تكن جزءًا من G7، مثل مجموعة 22 ومجموعة 33. أظهرت هذه الاجتماعات الفوائد الكامنة في المنتديات التشاورية الدولية المنظمة التي تضم دول الأسواق الناشئة. ومن رحم هذه التجارب، وُلدت مجموعة العشرين في عام 1999 كمنتدى غير رسمي يدعم المناقشات البناءة والمفتوحة بين دول السوق البارزة والدول الصناعية حول القضايا الأساسية المتعلقة باستقرار الاقتصاد العالمي. من خلال مساهمتها في تقوية الهيكل المالي العالمي وإتاحة فرص الحوار حول السياسات الداخلية والتعاون الدولي، تدعم مجموعة العشرين حركة النمو والتطور الاقتصادي في شتى أنحاء العالم.
وأخيرًا وليس آخرا: مستقبل التعاون الاقتصادي العالمي
لقد أثبتت قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا، وما سبقها وتلاها من تطورات، أن التحديات الاقتصادية العالمية لم تعد تقتصر على منطقة جغرافية محددة أو مجموعة من الدول دون أخرى. إن القضايا المطروحة، من التفاوتات الاقتصادية وتمويل التنمية إلى التغير المناخي وإعادة هيكلة الديون، تتطلب مقاربات عالمية شاملة وتعاونًا متعدد الأطراف. لقد برزت المملكة العربية السعودية في هذا المشهد كنموذج لأداء اقتصادي قوي ومستقر، مدعومة بسياسات اقتصادية حكيمة ورؤية مستقبلية طموحة. هذا الأداء لا يعزز مكانة المملكة فحسب، بل يساهم أيضًا في استقرار الاقتصاد العالمي. فهل ستستمر هذه المنتديات الدولية، مثل مجموعة العشرين، في تقديم حلول مبتكرة وفعالة لمواجهة التحديات المتزايدة، أم أننا سنشهد تحولات في آليات التعاون الاقتصادي العالمي تستجيب لديناميكيات جديدة؟











