القياس دعامة التطور: ملتقى اليوم العالمي للقياس يرسخ أهمية الدقة والابتكار
تتجسد أهمية القياس في كل تفاصيل حياتنا المعاصرة، من أدق الابتكارات التكنولوجية وصولاً إلى ضمان جودة الخدمات والمنتجات التي نستهلكها يوميًا. إنه المحرك الخفي الذي يضمن الدقة والموثوقية، ويشكل حجر الزاوية في بناء مجتمعات تقوم على الابتكار والتفوق. فهل يمكننا حقًا تصور مستقبل بشري مزدهر بمعزل عن أنظمة القياس الدقيقة والموثوقة؟ وكيف يسهم هذا العلم الجوهري في تحقيق التميز والارتقاء في شتى الميادين؟ هذه تساؤلات تلقي بظلالها على المشهد العالمي، وتجد صداها في المحافل المتخصصة التي تتبادل الأفكار حول سبل تحسين أنظمة القياس لمواكبة التطورات المتسارعة.
إن الحديث عن القياس ليس مجرد سرد تقني، بل هو استعراض لتطور فكري وعلمي طويل الأمد، يمتد جذوره إلى اللحظات الأولى التي سعى فيها الإنسان لتحديد الكميات وتوحيد المقاييس. فعبر التاريخ، كانت الحاجة إلى القياس الدقيق دافعًا رئيسيًا للتطور الحضاري، من أهرامات الفراعنة إلى أعقد الآلات الحديثة. هذه الرحلة الطويلة تُبرز كيف أن توحيد القياسات ليس مجرد اتفاقيات إدارية، بل هو أساس للتعاون الدولي والتفاهم المشترك، ومفتاح لحل الكثير من التحديات المعاصرة، بدءًا من التجارة العالمية وصولًا إلى الأبحاث العلمية المتقدمة.
هيئة المواصفات السعودية: ريادة في تنظيم ملتقى اليوم العالمي للقياس
في إطار جهودها الدائمة لتعزيز البنية التحتية للجودة ودعم التنافسية الاقتصادية، تضطلع هيئة المواصفات السعودية بدور محوري في تنظيم الفعاليات التي تسلط الضوء على أهمية القياس. سنويًا، تستضيف الهيئة ملتقى شاملًا للمقاييس والمواصفات والجودة، بالتزامن مع الاحتفاء باليوم العالمي للقياس الذي تحتفل به مراكز القياس الوطنية حول العالم.
تزامن تاريخي: 150 عامًا على اتفاقية المتر
يأتي ملتقى هذا العام 2025 ليحمل بعدًا تاريخيًا إضافيًا، حيث يتزامن مع مرور 150 عامًا على توقيع اتفاقية المتر. هذه المعاهدة الدولية، التي أبرمت في 20 مايو 1875م، شكلت نقطة تحول عالمية. كان هدفها الأساسي إنشاء منظمة دولية رائدة تُعرف باسم المكتب الدولي للأوزان والمقاييس في العاصمة الفرنسية باريس، لتكون المرجع الأسمى لتوحيد المقاييس وتنسيق جهود القياس على مستوى العالم. هذا التزامن يعزز الرؤية الشاملة لأهمية القياس في تشكيل الحضارة الحديثة.
“القياس لجميع الأوقات ولكل الناس”: شعار الملتقى وأبعاده
يتجلى العمق الفكري لملتقى عام 2025 في شعاره المستوحى من اليوم العالمي للقياس: “القياس لجميع الأوقات، ولكل الناس”. هذا الشعار ليس مجرد عبارة رنانة، بل هو دلالة واضحة على الدور المحوري الذي تلعبه المعايرة والقياس في كافة جوانب الحياة. إنه تأكيد على أن الدقة لا تقتصر على قطاع بعينه، بل هي ضرورة شاملة تمتد إلى مختلف المنتجات والقطاعات والصناعات، وتؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة ورفاهية المجتمعات.
هذا الشعار يعكس أيضًا رؤية المملكة العربية السعودية الطموحة في تحقيق مستويات عالمية من الجودة والدقة، بما يتماشى مع رؤية 2030 التي تضع الجودة والتميز في صلب أهدافها التنموية.
الأهداف الاستراتيجية لملتقى اليوم العالمي للقياس لعام 2025
يسعى الملتقى العالمي للقياس لعام 2025 إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي من شأنها تعزيز منظومة القياس والمعايرة على الصعيد الوطني والإقليمي. تهدف هذه الأهداف إلى الارتقاء بالوعي العام بأهمية القياس، وتطوير البنية التحتية للجودة، وإبراز الإنجازات الوطنية في هذا المجال الحيوي.
أبرز أهداف الملتقى:
- إبراز الجهود الوطنية: تسليط الضوء على الإنجازات الكبيرة للمركز الوطني للقياس والمعايرة، والجهات الشريكة، في تطوير وتطبيق معايير القياس.
- نشر الثقافة المعرفية: تعزيز الوعي العام بأهمية ثقافة المعايرة والقياس، وبيان الأثر الإيجابي المباشر لها على جودة الحياة في مختلف المجالات.
- الاحتفاء بالاعتراف الدولي: الإعلان عن التطورات والإنجازات في مجال الاعتراف الدولي، واعتماد مختبرات المركز، مما يعزز الثقة في البنية التحتية للجودة بالمملكة.
- إثراء المحتوى المعرفي: تقديم محتوى معرفي غني ومتعمق في مجالات القياس، وذلك من خلال المحاضرات وورش العمل المرتبطة بالشعار السنوي للمناسبة.
- التعريف بالنظام الوطني: التعريف الشامل بالنظام الوطني للقياس والمعايرة وتطبيقاته، والوقوف على أحدث التحديثات والتطورات فيه، لضمان فهمه وتطبيقه الأمثل.
تهدف هذه الأهداف مجتمعة إلى بناء قدرات وطنية قوية في مجال القياس، تسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة المملكة كمركز ريادي في الجودة والابتكار.
مواعيد الملتقى: انتشار جغرافي لتعميم الفائدة
حرصًا على تعميم الفائدة ووصولها لأكبر شريحة ممكنة، يُعقد الملتقى لعام 2025 على مدى يومين متتاليين في مدن رئيسية بالمملكة. ففي الثالث عشر من شهر مايو، ستستضيف العاصمة الرياض فعاليات الملتقى، لتنتقل بعد ذلك في الرابع عشر من الشهر نفسه إلى مدينتي جدة والدمام. ستقام هذه الفعاليات في مقرات الهيئة السعودية للمواصفات، مما يتيح للعديد من المختصين والمهتمين فرصة الحضور والمشاركة الفعالة.
أجندة الملتقى: فعاليات متنوعة وعمق معرفي
تزخر أجندة الملتقى بالعديد من الفقرات والأنشطة المتنوعة، التي صممت بعناية لتقديم أقصى استفادة للحضور. تشمل هذه الأنشطة كلمات افتتاحية من مسؤولين رفيعي المستوى، وعروضًا تقديمية متخصصة، وجلسات حوارية ثرية، بالإضافة إلى تبادل مذكرات التفاهم وتكريم الشخصيات البارزة.
| الوقت | النشاط | المتحدثون/المشاركون |
|---|---|---|
| 9:30 ص – 9:35 ص | الافتتاح | افتتاح المعرض المصاحب |
| 9:35 ص – 9:40 ص | الافتتاح | كلمة الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة |
| 9:40 ص – 9:45 ص | الافتتاح | فيلم وثائقي عن المركز الوطني للقياس والمعايرة |
| 9:45 ص – 9:50 ص | الافتتاح | تبادل مذكرات التفاهم مع عدد من الجهات |
| 9:50 ص – 9:55 ص | الافتتاح | كلمة راعي الحفل |
| 9:55 ص – 10:00 ص | الافتتاح | تكريم الشركاء الفاعلين/ تكريم المدراء السابقين |
| 10:00 ص – 10:05 ص | استراحة | استراحة |
| 10:05 ص – 10:25 ص | التعريف بنظام القياس والمعايرة ولائحته التنفيذية | الدكتور محمد بن علي اليوسف |
| 10:25 ص – 11:50 ص | جلسة حوارية: “القياسات بجميع الأوقات لكل الناس” | الدكتور اسماعيل بن عبدالله الفالح، المهندس ابراهيم بن راشد الحمداء، متحدث من اللجنة الوطنية لجهات تقويم المطابقة |
| 11:30 ص – 12:15 ص | زيارة مختبرات المركز | زيارة مختبرات المركز |
تغطي الجلسة الحوارية محاور هامة مثل تاريخ القياس والمعايرة في المملكة، ونشأة برنامج المعايرة القانونية، ودور جهات تقويم المطابقة والمختبرات المعتمدة.
الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة: ركيزة أساسية
تُعد الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة جهة ذات موثوقية علمية عالية، وتمثل ممكنًا رئيسيًا لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني والارتقاء بجودة الحياة في المملكة. تسعى الهيئة بجدية لتحقيق التميز في تطوير المواصفات، وعمليات المطابقة، وعلم القياس، مع التركيز على تعزيز سلامة المنتجات المتداولة في الأسواق. تتبنى الهيئة مجموعة من القيم الأساسية التي توجه عملها، وتشمل الحيادية التامة، والإتقان في الأداء، والإبداع في تقديم الحلول، والشفافية في التعاملات، وأخيرًا التكامل الفعال مع كافة الشركاء لضمان تحقيق الأهداف المشتركة.
و أخيرا وليس آخرا: مستقبل يعتمد على الدقة
بينما نختتم هذا الاستعراض لملتقى اليوم العالمي للقياس، تتأكد لدينا قناعة راسخة بأن القياس ليس مجرد عملية فنية أو إجرائية، بل هو عنصر أساسي وحيوي في بناء مستقبل أكثر تطورًا ودقة. فمن التكنولوجيا المتطورة التي تغير وجه حياتنا، إلى الاستدامة الصناعية التي تضمن مستقبلًا بيئيًا آمنًا، يبقى القياس مفتاحًا لا غنى عنه لضمان الابتكار والجودة الشاملة في كل جوانب الحياة. إن الاهتمام المستمر بعلم القياس وتطويره يعكس رؤية ثاقبة لمجتمعات تتطلع إلى الريادة، وتفهم أن التقدم الحقيقي ينبع من أساس متين من الدقة والاعتمادية. فإلى أي مدى يمكن أن يدفعنا هذا الالتزام بالدقة نحو آفاق جديدة من الإنجاز والابتكار؟ وهل سنشهد في المستقبل القريب ثورات قياسية جديدة تغير مفاهيمنا الحالية عن الدقة والمعايرة؟ إن المستقبل وحده كفيل بالإجابة.











