مكافحة التسول في السعودية: رؤية شاملة لنظام يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية
تُمثل ظاهرة التسول إحدى التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي تواجه العديد من المجتمعات حول العالم، والمملكة العربية السعودية ليست بمنأى عن هذا السياق. في استجابة شاملة لهذه الظاهرة، أصدرت المملكة نظام مكافحة التسول في السعودية بتاريخ 9 صفر 1443 هـ، الموافق 16 سبتمبر 2021 م، والذي يُعد خطوة مفصلية نحو معالجة جذور هذه المشكلة والحد من انتشارها. يهدف هذا النظام إلى تنظيم الجهود وتوحيدها لمكافحة التسول، لا بوصفه مجرد سلوك فردي، بل باعتباره إشكالية متعددة الأبعاد تتطلب تضافر جهود مؤسسية وقانونية واجتماعية.
السياق التاريخي والتشريعي لمكافحة التسول
لطالما سعت المملكة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وتوفير مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها والمقيمين على أرضها. إن ظهور نظام مكافحة التسول يأتي استكمالاً لسلسلة من الأنظمة والجهود الرامية إلى حفظ كرامة الفرد، وتوفير الحماية للمحتاجين الحقيقيين عبر قنوات الدعم الرسمية، وفي الوقت ذاته، التصدي لمن يستغلون هذه الظاهرة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. هذا النظام، الذي يتضمن عشر مواد واضحة، يعكس فهماً عميقاً لأبعاد المشكلة، بدءاً من تعريف التسول وصولاً إلى تحديد العقوبات وآليات تطبيقها، مستفيداً من تجارب سابقة وتحديات مجتمعية متعددة الأوجه.
تعريف التسول والمتسول في النظام الجديد
لقد جاءت المادة الأولى من نظام مكافحة التسول لترسخ فهماً دقيقاً وشاملاً لمفهوم التسول. يُعرّف النظام المتسول بأنه “كل من يستجدي للحصول على مال غيره دون مقابل أو بمقابل غير مقصود بذاته نقدًا أو عينًا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في الأماكن العامة أو المحال الخاصة أو في وسائل التقنية والتواصل الحديثة، أو بأي وسيلة كانت”. هذا التعريف الموسع يبرز قدرة النظام على التكيف مع الأساليب المتغيرة للتسول، بما في ذلك الأشكال الرقمية التي أصبحت أكثر انتشاراً.
كما يتوسع التعريف ليشمل مفهوم “ممتهن التسول” وهو كل من يُضبط للمرة الثانية أو أكثر وهو يمارس التسول، مما يؤكد على جدية التعامل مع هذه الظاهرة كمهنة غير مشروعة. وتؤكد المادة الأولى أيضاً على أهمية “الرعاية اللاحقة”، التي تُعرف بأنها المساعدة والمتابعة المنتظمة التي تُقدم للمستفيد كجزء مكمل لخطط العلاج والتمكين، بهدف تقويم السلوك وإعادة دمج الفرد في المجتمع. هذه الرؤية الشاملة تعكس بعداً إنسانياً وتأهيلياً، لا يقتصر على العقاب بل يمتد إلى الإصلاح.
الإطار المؤسسي لتطبيق النظام: تضافر الجهود الحكومية
لم يكن تطبيق نظام بهذه الشمولية ليكون فعالاً دون تضافر جهود مجموعة من الجهات الحكومية المختصة. يحدد نظام مكافحة التسول ثلاث جهات رئيسية مخولة بالتنفيذ، كل منها تضطلع بدور محوري. تتصدر وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية هذه الجهات بوصفها الجهة الأساسية المسؤولة عن الجوانب الاجتماعية والتأهيلية.
بالتوازي، تُناط بـ وزارة الداخلية مهمة الضبط والقبض على المتسولين، ومن ثم تسليمهم للجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية. أما النيابة العامة، فتتولى التحقيق في القضايا وإقامة الدعوى أمام المحكمة المختصة، لضمان تطبيق العدالة وفقاً لأحكام النظام. هذا التوزيع للأدوار يضمن معالجة متكاملة للظاهرة من جوانبها الأمنية والعدلية والاجتماعية.
جهة ضبط المتسولين: الدور المحوري لوزارة الداخلية
تؤكد المادة الثانية من نظام مكافحة التسول على حظر التسول بجميع صوره وأشكاله، أياً كانت مسوغاته، وتُسند الاختصاص بالقبض على المتسولين لـ وزارة الداخلية. هذا الدور الأمني الحاسم يعكس التزام الدولة بفرض النظام ومنع أي سلوكيات قد تهدد النسيج الاجتماعي أو تستغل حاجة الآخرين.
تُحال حالات ممتهني التسول إلى الجهة المختصة بالتحقيق في مخالفات النظام، وذلك لاتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة في حقهم، كما نصت على ذلك المادة الثالثة من النظام. هذا يؤكد على أن التعامل مع التسول ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية قانونية تستلزم تحقيقاً دقيقاً وتطبيقاً صارماً للأحكام.
مسؤولية وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية: الدعم والتأهيل
تُناط بـ وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مهام حيوية تكميلية للدور الأمني، كما جاء في المادة الرابعة من نظام مكافحة التسول. تشمل هذه المهام دراسة الحالات الاجتماعية والصحية والنفسية والاقتصادية للمتسولين السعوديين، وتقديم الخدمات الملائمة لكل حالة بما يتوافق مع الأنظمة والقرارات ذات الصلة.
تتولى الوزارة أيضاً إرشاد المتسولين السعوديين للاستفادة من الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية والأهلية والخيرية، ومتابعتهم من خلال برامج الرعاية اللاحقة. إضافة إلى ذلك، تعمل الوزارة بالاشتراك مع وزارة الداخلية على إنشاء قاعدة بيانات للمتسولين، وتسجيل كل حالة يتم القبض عليها أو تقدم لها الخدمات، وذلك بهدف توثيق حالات امتهان التسول. ولا يقتصر دورها على ذلك، بل تمتد جهودها لتشمل نشر الوعي بمخاطر التسول المتعددة، وإعداد الدراسات والبحوث وعقد الندوات والمؤتمرات المتعلقة بمكافحة هذه الظاهرة، مما يعكس نهجاً وقائياً وتوعوياً.
عقوبات نظام مكافحة التسول: ردع للممارسات غير المشروعة
يُشدد نظام مكافحة التسول على ضرورة معاقبة كل من يمتهن التسول أو يدير شبكة متسولين، أو يحرض غيره أو يتفق معه أو يساعده بأي طريقة على التسول. هذه العقوبات تأتي لتعزيز الردع وتأكيد جدية الدولة في مواجهة هذه الظاهرة التي قد تستغل الضعفاء أو تشوه صورة المجتمع.
تتضمن العقوبات الفردية للمتسول السجن لمدة لا تزيد على ستة أشهر، أو غرامة لا تزيد على 50 ألف ريال، أو بهما معاً. بينما تُشدد العقوبات على من يدير المتسولين أو يكون جزءاً من جماعة منظمة تمتهن التسول، لتصل إلى السجن لمدة لا تزيد على سنة، أو غرامة لا تزيد على 100 ألف ريال، أو بهما معاً. وفي حال العودة أو التكرار، تُضاعف العقوبة، ويتم إبعاد غير السعوديين عن المملكة ومنعهم من العودة إليها، باستثناء أداء فريضتي الحج أو العمرة. كما تُصادر جميع الأموال التي حصل عليها المتسول، وفي حال تعذر ضبطها، تحكم المحكمة بغرامة تعادل قيمتها، مع التأكيد على تطبيق العقوبة الأشد إذا شكل التسول جريمة بموجب أنظمة أخرى.
و أخيرا وليس آخرا: مستقبل مكافحة التسول
لقد استعرضنا في هذه المقالة أبعاد نظام مكافحة التسول في السعودية، الذي يمثل إطاراً تشريعياً ومؤسسياً متكاملاً لمواجهة ظاهرة التسول. يبرز النظام كنموذج يجمع بين الردع القانوني والدعم الاجتماعي، ويضع الأسس لرعاية المحتاجين الحقيقيين وفي الوقت ذاته التصدي للممارسات غير المشروعة. من خلال تضافر جهود وزارة الداخلية، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والنيابة العامة، تسعى المملكة إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً وكرامة. فهل ستنجح هذه الجهود المتكاملة في القضاء على ظاهرة التسول بشكل جذري، أم أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية المستمرة ستتطلب تحديثاً وتطويراً مستمرين لهذه الأنظمة لمواكبة التغيرات المستقبلية؟ إن الإجابة تكمن في استمرارية الرصد والتقييم والتطوير الذي تتبناه بوابة السعودية للوصول إلى مجتمع خالٍ من هذه الظاهرة.







