حاله  الطقس  اليةم 18.3
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

رحلة عبر التاريخ: تطوير المحتوى المعرفي في مكة المكرمة يجذب الباحثين

بوابة السعودية
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
رحلة عبر التاريخ: تطوير المحتوى المعرفي في مكة المكرمة يجذب الباحثين

تطوير المحتوى المعرفي في مكة المكرمة: قوة ناعمة لإحياء السياحة الثقافية

في قلب العالم الإسلامي، حيث تتجلى مكة المكرمة كمهد للحضارات ونقطة انطلاق لرسالة السلام، تكمن قوة ناعمة كامنة في إرثها المعرفي والتاريخي العظيم. إن هذا الإرث ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو نبض حي يستقطب الأنظار ويثري النفوس. إدراكاً لهذه القيمة الاستثنائية، تسعى الجهود الحالية إلى توظيف هذا الكنز الحضاري لدعم جودة الحياة وإحياء السياحة الثقافية، وذلك بتحويل العاصمة المقدسة إلى بيئة جاذبة للتفاعل والبحث والاكتشاف لزوارها وسكانها وضيوف الرحمن. هذه الرؤية الطموحة تهدف إلى إبراز المعالم الفريدة لأم القرى، وتعزيز مكانتها كوجهة عالمية للثقافة والتراث.

تعزيز الجذب السياحي عبر الإرث الحضاري

يحرص زوار مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بعد إتمام مناسكهم الإيمانية، على استكشاف المواقع التاريخية التي تحتضنها العاصمة المقدسة. وفي مقدمة هذه المواقع يأتي حي حراء الثقافي، الذي يروي قصصاً خالدة من الأحداث الإسلامية والتاريخية. تعمل الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة بجد لبلورة مفهوم القوة الناعمة في الجذب السياحي، وذلك من خلال إحياء السياحة الثقافية وتحقيق الريادة في الترويج للمنتج الترفيهي.

تتم هذه الجهود عبر توفير بُنى تحتية خدمية متطورة، بالتعاون مع شركاء من القطاعين الحكومي والخاص. يهدف هذا التعاون إلى رفع جودة الخدمات في المواقع التاريخية والإثرائية، لإثراء التجربة الثقافية للزائر. كما تنسق الهيئة مع الجهات المعنية لتطوير هذه المواقع وتمكينها من أداء أدوارها بشكل تكاملي، مستثمرة البعد التاريخي لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة للوصول إلى المستوى المنشود من التنمية والتميز.

مكة المكرمة: مهبط الحضارات وموطن العراقة

تحدث أستاذ كرسي الملك سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة في جامعة أم القرى، الدكتور عبدالله بن حسين الشريف (حسب ما نقلته بوابة السعودية في ذلك الوقت)، عن الأهمية العميقة للمكانة التاريخية للمملكة. وأشار إلى أن وطننا يمتلك جذور الحضارة الإنسانية وعراقة التاريخ البشري، منذ نزول آدم عليه السلام في مكة المكرمة. ومنذ دعوة إبراهيم عليه السلام للحج، أصبحت الديار المقدسة مقصداً يأتيها الناس أفواجاً من كل مكان.

لقد غدت مكة المكرمة ملتقى للثقافة البشرية، ومعبراً حضارياً، وحلقة تواصل بين بني البشر. كما أصبحت موطناً للعروبة، ومنارة للنور الإلهي الذي أظهره الله من الحرمين الشريفين وأضاء به الدنيا على يد محمد صلى الله عليه وسلم ورسل الإسلام والسلام بعده حتى يومنا هذا. هذا العمق التاريخي والروحي يمنحها بعداً فريداً على الساحة العالمية.

رؤية 2030: استثمار الإرث الوطني لتحقيق التنمية

أضاف الدكتور الشريف أن جزيرة العرب وأرض المملكة العربية السعودية أصبحت سجلاً حياً للتاريخ، ومنارة للثقافة، وجغرافية للآثار النبوية والتاريخية. وهي ميدان للتطوير ومكتسباته الحضارية، ووعاء للتراث المتسم بالتفرد والعراقة والثراء والعالمية. وقد أدرك الأمير محمد بن سلمان، بصيرته النافذة، أن هذه المكانة الروحية والعراقة التاريخية والثراء التراثي والعظمة الحضارية تمثل معطيات وطنية كبيرة يجب استثمارها.

خططت الرؤية لتحويل هذه المعطيات إلى عنصر أساسي ضمن رؤية المملكة 2030، في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإثراء الثقافة الإنسانية والجذب السياحي. هذا يهدف إلى التعبير عن موقع المملكة ودورها الإنساني في مسيرة الحضارة البشرية بما تملكه من كنوز الحضارة العالمية. من هنا جاء الاهتمام البالغ بالتاريخ والآثار والتراث والعلم والثقافة والترفيه والسياحة، والحفاظ على الآثار وحمايتها، وتأهيل وتنمية المواقع التاريخية، وتطوير المحتوى التاريخي معرفياً وإعلامياً.

يتطلب ذلك اعتماد أساليب ووسائل تتناسب مع مستهدفات الرؤية. والمملكة العربية السعودية، بلا شك، تزخر بالمعالم والتراث والتنوع البيئي والمناخي والثقافي. وهذا ما يجعل كل منطقة من مناطق المملكة موئلاً حضارياً، مع تميز الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة ومواقع السيرة النبوية في أنحاء الوطن بالبعد الروحي الذي لا يضاهى.

خطوات تنفيذية لتنمية المواقع التاريخية

أكد الشريف أن تطوير المحتوى المعرفي والتاريخي المتعلق بمكة المكرمة والمدينة المنورة خاصة، والوطن عامة، هو ضرورة ملحة لإحياء المواقع التاريخية واستثمار المكانة الدينية في إبراز تلك المعالم للحجاج والزوار والمعتمرين وضيوف الرحمن، والباحثين عن المعرفة والثقافة والترفيه. بدأت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وذراعها التنفيذي شركة كدانة، في العمل بأسلوب حضاري وعصري لتحويل مستهدفات الرؤية إلى واقع ملموس.

تمت المشاركة سابقاً في فريق الخبراء ببرنامج المواقع التاريخية لدى الهيئة الملكية، حيث تم تحديد عشرات المواقع النبوية والتاريخية بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة. يجري العمل على تطوير المحتوى التاريخي المتعلق بها والمشاريع والمرافق المزمع إنشاؤها لتنميتها، ومنها مشروع حي حراء الثقافي الذي أصبح وجهة جاذبة ومميزة. تعتمد الهيئة على الرجوع إلى أهل المعرفة والخبرة من المؤرخين والآثاريين والجغرافيين والمثقفين والإعلاميين في بناء منظومة المواقع التاريخية ومحتواها المعرفي.

يضمن هذا النهج أن المحتوى يتناسب مع قيمة المواقع والأهداف التنموية، ويواكب الإعلام العصري ووسائله المختلفة. وهذا دليل على أن الهيئة الملكية تسير وفق خطة استراتيجية طموحة وخلاقة نابعة من رؤية 2030، بهدف تعزيز الحراك التنموي والسياحي والترفيهي في المنطقة.

الحفاظ على المعلومة التاريخية وتطويرها

لقد اضطلعت وزارة الثقافة ووزارة الإعلام ودارة الملك عبدالعزيز بدور حيوي في تطوير المحتوى التاريخي. فقد أخذت هذه الجهات على عاتقها مسؤولية الجمع بين صحة المعلومة وقوة تأثيرها، وسلامة أثرها وحسن صياغتها، واستخدام أفضل الأساليب وأنجع الوسائل. إن رؤية المملكة الطموحة تستهدف كل بقعة من الوطن ومعالمه التاريخية.

كما تم في مكة المكرمة مشروع حي حراء، وتمتد النظرة لتشمل مواقع أخرى ذات أهمية بالغة مثل جبل ثور، وجبل الرحمة، والحديبية، وبئر طوى، وعين زبيدة، وغيرها الكثير. لذلك، أصبح لزاماً على جميع الشركاء للهيئة الملكية، من المستثمرين في تطوير المواقع التاريخية، أن يتم إعداد المحتوى التاريخي لتلك المواقع عن طريق أهل العلم والخبرة، والمؤسسات المتخصصة.

من هذه المؤسسات دارة الملك عبدالعزيز وفرعها مركز تاريخ مكة، وكرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة، الذي أصدر 23 كتاباً حول تاريخ مكة والمشاعر وآثارها. هذا التركيز يهدف إلى ترشيد وضبط المنشور المعرفي والتاريخي في جميع الوسائل الإعلامية، وحمايته من المتطفلين، حفظاً للمعلومة من التشويه، وتحقيقاً للأهداف الوطنية القويمة.

و أخيرا وليس آخرا: مستقبل السياحة الثقافية في مكة

لقد بات جلياً أن تطوير المحتوى المعرفي والتاريخي في مكة المكرمة ليس مجرد مشروع ترفيهي، بل هو استثمار استراتيجي في الهوية الوطنية والتراث الإنساني. إن هذه الجهود المستمرة لتحويل الإرث الثقافي إلى قوة دافعة للسياحة تُبرز التزام المملكة برؤية 2030، التي تسعى لتعزيز مكانتها على الخارطة العالمية كمركز حضاري وثقافي فريد. فهل ستنجح هذه المبادرات في جعل مكة المكرمة، إلى جانب مكانتها الروحية، وجهة ثقافية عالمية رائدة تستقطب الباحثين عن المعرفة والتاريخ من كل حدب وصوب، مقدمة تجربة لا تُنسى تجمع بين عمق الإيمان وغنى الحضارة؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، مع استمرار العمل الدؤوب في إثراء ذاكرة الأمة وتاريخها العظيم.