القمح في السعودية: دعامة الأمن الغذائي ومورد استراتيجي
تُعدّ الحبوب، وعلى رأسها القمح، سلعة استراتيجية في المملكة العربية السعودية، حيث تولي الدولة اهتمامًا بالغًا بتحقيق الأمن الغذائي المستدام. تقوم الهيئة العامة للأمن الغذائي، المعروفة سابقًا بالمؤسسة العامة للحبوب، بدور محوري في هذا الشأن، من خلال تأمين احتياجات شركات المطاحن عن طريق شراء القمح من المزارعين المحليين، والاستثمار في مزارع القمح بالخارج، بالإضافة إلى عمليات الاستيراد المدروسة.
تعزيز المخزون الاستراتيجي للقمح
تحرص المملكة على الحفاظ على مستويات آمنة من المخزون الاحتياطي للقمح، وقد قامت المؤسسة بتوسيع طاقتها التخزينية لتصبح الأكبر في منطقة الشرق الأوسط. بين عامي 2015 و 2021، أضافت المؤسسة حوالي 900 ألف طن بتكلفة تجاوزت 2.5 مليار ريال، ليصل إجمالي طاقتها التخزينية إلى 3.5 ملايين طن موزعة على 15 فرعًا في أنحاء المملكة.
دعم المزارعين المحليين لإنتاج القمح
في عام 2020، أصدر مجلس الوزراء قرارًا بتكليف المؤسسة العامة للحبوب (الهيئة العامة للأمن الغذائي حاليًا) بشراء القمح من المزارعين المؤهلين الذين يختارون زراعة القمح في مساحة لا تتجاوز 50 هكتارًا، وذلك لمدة خمس سنوات وبكمية قصوى قدرها 1.5 مليون طن سنويًا.
في السنة الأولى من تطبيق القرار، اشترت المؤسسة حوالي 202,179 طنًا من القمح من 930 مزارعًا. وفي العام التالي، زادت نسبة القمح المشتراة بنسبة 90.7% لتصل إلى 385,635 طنًا من 1,673 مزارعًا. وفي عام 2021، اشترت الحكومة السعودية 576 ألف طن من المزارعين المحليين.
الاستثمار الخارجي في إنتاج القمح
تولي المملكة أهمية كبيرة للاستثمار في المزارع الخارجية لإنتاج القمح. في عام 2018، استحوذت السعودية على شركتين زراعيتين في غرب أوكرانيا ودمجتهما في شركة واحدة تحت اسم كونتيننتال فارمز، والتي تتبع للشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني سالك، وتمتلك مساحة زراعية تبلغ 195 ألف هكتار.
في عام 2020، تلقت السعودية أول شحنة قمح من هذا الاستثمار بكمية 64 ألف طن، وتلتها شحنات أخرى في الأعوام التالية، حيث بلغت الكمية 355 ألف طن في عام 2021 و 720 ألف طن في عام 2022.
تأمين القمح خلال جائحة كورونا
خلال جائحة فيروس كورونا في عام 2020، والتي شهدت اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، نجحت السعودية في تأمين احتياجاتها من القمح من خلال استيراد ثلاثة ملايين طن وشراء حوالي 386 ألف طن من الإنتاج المحلي.
تم توزيع الطاقة التخزينية للقمح على 14 فرعًا تابعة للمؤسسة العامة للحبوب آنذاك، بالإضافة إلى شركات المطاحن الأربع. تمتلك المؤسسة موانئ مجهزة لاستقبال القمح المستورد، بطاقات تفريغ تصل إلى 12 ألف طن يوميًا في موانئ ينبع، وجدة الإسلامي، وجازان، و 10 آلاف طن يوميًا في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام.
بلغت نسبة القمح من حصة الواردات العالمية في المملكة 1.8%، وكانت بولندا أكبر المصدرين بنسبة 47%، تليها لاتفيا بنسبة 14%، ثم ألمانيا وإستونيا بنسبة 9%، وليتوانيا بنسبة 8%.
تضافرت جهود العديد من الجهات الحكومية لتوفير الغذاء، حيث أمّنت شركة سالك استيراد 64 ألف طن من استثماراتها في أوكرانيا. كما شجعت المؤسسة العامة للحبوب ووزارة البيئة والمياه والزراعة على الاستثمار السعودي الخارجي وزيادة الإنتاج المحلي. نُظمت عمليات شراء القمح المحلي من 1,673 مزارعًا عبر منصة محصولي التابعة للمؤسسة العامة للحبوب (الهيئة العامة للأمن الغذائي حاليًا)، وبلغ صافي كمية القمح المستلمة 385,635 طنًا. تصدرت منطقة الجوف المناطق المنتجة للقمح المحلي بإنتاج 99,710 أطنان، تلتها منطقة القصيم بـ 96,101 طن، ثم منطقة تبوك بـ 93,930 طنًا، ومنطقة حائل بـ 52,348 طنًا، ومحافظة وادي الدواسر بـ 23,770 طنًا، والرياض بـ 10,782 طنًا، ومحافظة الخرج بـ 8,367 طنًا، ومحافظة الأحساء بـ 627 طنًا.
شركات المطاحن ودورها في الاقتصاد السعودي
تُعدّ شركات المطاحن من القطاعات الحديثة المساهمة في الاقتصاد السعودي، وتهدف الحكومة إلى تخصيص أصولها وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال. استعدادًا لبيع شركات المطاحن الأربع، أكملت المؤسسة العامة للحبوب مراحل إعادة الهيكلة وفصل الأصول، ونفذت البرنامج التشغيلي المستقل في عام 2017.
باعت المؤسسة العامة للحبوب (الهيئة العامة للأمن الغذائي حاليًا) شركاتها الأربع على مرحلتين للقطاع الخاص. شملت المرحلة الأولى بيع الشركة الأولى والثالثة في عام 2020 بنحو 2.8 مليار ريال، فيما شملت المرحلة الثانية بيع الشركة الثانية والرابعة في عام 2021 بثلاثة مليارات ريال.
تنتج شركات المطاحن في السعودية الدقيق بأحجام متنوعة، مثل 1 كجم، 2 كجم، 5 كجم، 10 كجم، و 45 كجم، وبأصناف متعددة منها: دقيق البُر، والبُر الفاخر استخلاص 95%، ودقيق المخابز استخلاص 80%، والدقيق الفاخر استخلاص 70%، بالإضافة إلى مشتقات أخرى بأوزان متنوعة كالهريس، والجريش، وجنين القمح، والنخالة الآدمية، والمفلق.
القمح في المطبخ السعودي
يعتبر القمح مكونًا أساسيًا في العديد من الأطباق التقليدية في المطبخ السعودي، حيث يُستخدم الدقيق في أكلات شهيرة مثل المرقوق، والقرصان، والعصيدة، والخُبزة الجنوبية. يطلق السعوديون على القمح أسماء أخرى مثل العَيش، والبُر، والحنطة.
وأخيرا وليس آخرا
يعكس الاهتمام المتزايد بإنتاج القمح وتأمينه في المملكة العربية السعودية رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. من خلال دعم المزارعين المحليين، والاستثمار في الخارج، وتطوير قطاع المطاحن، تسعى المملكة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه السلعة الحيوية. هل ستنجح هذه الجهود في تحقيق طموحات المملكة في ظل التحديات العالمية المتزايدة؟











