الإدمان الوظيفي: كيف يؤدي ضغط العمل إلى التداوي الذاتي والإدمان؟
في عالم يتسارع فيه الإيقاع وتتزايد فيه الضغوط، يصبح إجهاد العمل آفة تهدد الصحة النفسية والجسدية على حد سواء. قد يلجأ البعض إلى التداوي الذاتي عبر استخدام الأدوية دون وصفة طبية أو المواد المخدرة، مما قد يقودهم إلى الإدمان.
إجهاد العمل ومخاطر التداوي الذاتي
يلعب الإجهاد دوراً كبيراً في إدمان المشروبات الكحولية والمواد المخدرة. التوتر المستمر وارتفاع مستويات الأدرينالين قد يؤديان إلى ما يعرف بـ “الاحتراق الوظيفي”، وهو حالة من الإرهاق النفسي والجسدي الشديد. في محاولة للتغلب على هذه الضغوط، قد يلجأ بعض العاملين إلى المواد المخدرة أو المشروبات الكحولية، وسرعان ما يتحول هذا السلوك إلى إدمان يصعب التخلص منه.
الأمر ذاته ينطبق على تعاطي المواد المخدرة؛ حيث يمكن أن يؤدي التداوي الذاتي في بيئات العمل المجهدة إلى الإدمان. الفرد قد يلجأ إلى هذه المواد بغرض الاسترخاء وتشتيت الانتباه عن ضغوط العمل، أو لزيادة اليقظة ورفع مستوى الأداء.
المواد المخدرة والإدمان
هناك العديد من المواد المخدرة غير المشروعة التي تزيد اليقظة وتسبب الإدمان بشكل سريع. حتى تناول العقاقير البسيطة، مثل المسكنات، دون وصفة طبية يمكن أن يؤدي إلى الإدمان. اجتماع عاملي التداوي الذاتي والعمل المجهد يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة باضطراب تعاطي المواد المخدرة.
تعريف المدمن عالي الأداء
يُطلق مصطلح “المدمن عالي الأداء” على الشخص الذي يتعاطى المواد المخدرة ولكنه في الوقت نفسه قادر على أداء مهامه اليومية بإنتاجية عالية. قد يسود اعتقاد خاطئ بأن أعراض الإدمان الكحولي تظهر بشكل واضح على المدمن، ولكن في الواقع، معظم المدمنين لا يسمحون لاضطرابهم بعرقلة حياتهم اليومية.
تطور الإدمان وتأثيره
مع مرور الوقت، يبدأ الإدمان في إرهاق الفرد، وقد يلاحظ الأصدقاء وأفراد العائلة وحتى الزملاء بعض الأعراض. قد يتمكن المدمن عالي الأداء من الحفاظ على وظيفته وعائلته وحياته الاجتماعية في البداية، ولكن مع مرور الوقت، تتفاقم مشكلات إدمان المواد المخدرة وتخرج الأمور عن السيطرة.
حلقة الإدمان
قد ينجح بعض المدمنين في السيطرة على حلقات الإدمان الخطيرة، مثل العودة إلى المنزل بعد يوم عمل مجهد والإفراط في تعاطي المواد المخدرة أو الكحوليات خلال الليل، ثم الاستيقاظ على آثار الثمالة واستخدام العقاقير في الصباح وخلال النهار لتسكين الأعراض.
أعراض الانسحاب وتأثيرها على الأداء
قد يحدث تراجع في استجابة المدمن عالي الأداء للمواد المخدرة، مما يضطره إلى زيادة الجرعة للوصول إلى الحالة العقلية المرغوبة. بعد فترة قصيرة، تبدأ أعراض الانسحاب في الظهور، وفي هذه المرحلة، يبدأ الإدمان في عرقلة الوظائف اليومية للمدمن. تشمل أعراض الانسحاب اضطرابات النوم، والصداع، أو الحاجة إلى تناول الأدوية خلال النهار لإنجاز العمل. قد يخسر بعض الأشخاص وظائفهم بسبب الإدمان، في حين يقرر آخرون اللجوء إلى المساعدة الطبية.
علامات تدل على أن الشخص مدمن كحوليات عالي الأداء
تشير الدراسات إلى أن بعض الفئات المهنية، مثل رجال الشرطة، والمسعفين، والأطباء، والمحامين، وعمال البناء، وعمال المناجم، وموظفي المطاعم، هم أكثر عرضة لتطوير الإدمان المرتبط بإجهاد العمل. لا يوجد عيب في الاعتراف بوجود المشكلة وطلب المساعدة الطبية قبل فوات الأوان.
التأثير طويل الأمد للإدمان
على المدى الطويل، يمكن أن يؤدي إدمان المواد المخدرة والمشروبات الكحولية إلى مشكلات في الوظائف الإدراكية، والذاكرة، والتركيز، والمحاكمة العقلية، واتخاذ القرار.
علامات الإنذار المبكر
فيما يلي بعض العلامات التي يمكن أن تساعد في التعرف على المدمن عالي الأداء:
- استهلاك الكحول أو المواد المخدرة لمواجهة الإجهاد، أو الاكتئاب، أو الأزمات.
- تناول المشروبات الكحولية أو المواد المخدرة في جميع المواقف.
- الشرب على انفراد (وليس في الأماكن الاجتماعية) باستمرار.
- زيادة جرعات المواد المخدرة أو الكحول مع مرور الوقت (تراجع في استجابة المدمن للمواد المخدرة).
- مواجهة أعراض الانسحاب، كالصداع، أو العصبية، أو القلق، أو الغثيان.
المدمن عالي الأداء هو شخص متفوق في عمله وناجح في علاقاته على الرغم من إفراطه في الشرب. ليس بالضرورة أن يسبب الإدمان مشكلات فعلية في الحياة حتى نعتبره مشكلة. قد يميل المدمن عالي الأداء إلى إنكار مشكلة الإدمان تحت ذريعة تفوقه على الصعيدين المهني والشخصي، لذلك يجب ملاحظة علامات هذا النوع من الإدمان وطلب المساعدة الطبية اللازمة للعلاج.
طلب المساعدة وعدم التوقف عن التعاطي فجأة دون الاستشارة الطبية
إذا كنت تعاني من إدمان المواد المخدرة و/أو المشروبات الكحولية بسبب إجهاد وضغوطات العمل، يمكنك طلب المساعدة الطبية. يمكن لمساعدة المتخصصين أن تمنع الإدمان من إفساد حياتك، وتزيل السموم من جسدك وعقلك بطريقة صحية، فضلاً عن تحديد سبب مشكلتك، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعافي على المدى الطويل، كتطوير آليات مواجهة صحية، وتقنيات إدارة التوتر.
مخاطر الإقلاع الذاتي المفاجئ
يبدأ العلاج بفهم مخاطر الإقلاع الذاتي والمفاجئ عن المواد المخدرة أو الكحول، حيث أن تداعياته قد تكون قاتلة. اعتماداً على درجة الاعتماد على الجرعة، قد لا يستطيع جسدك التعامل مع أعراض الانسحاب المرافقة للإقلاع عن الإدمان. يمكن أن يسبب الإقلاع المفاجئ فشل أو توقف الأعضاء عن العمل، ونوبات الصرع، والغيبوبة، وحتى الموت.
الانتكاس وزيادة الجرعة
يمكن أن يؤدي الإقلاع الذاتي، أو تقليل كمية المخدر بمقدار كبير، إلى حدوث انتكاسة وزيادة الجرعة المطلوبة بعد مدة قصيرة، بسبب انخفاض درجة تجاوب الجسم مع المادة المخدرة عن المعتاد. لا تخاطر بحياتك بسبب الخوف من نظرة المجتمع تجاه الإدمان، أو تفكر في الإقلاع الذاتي؛ بل يجب أن تطلب المساعدة الطبية من المتخصصين، ويمكن أن تكون عملية العلاج سرية بصورة كاملة.
الطريق نحو التعافي من الإدمان
عندما يكون إجهاد العمل هو السبب الرئيسي للإدمان، فإن تقنيات إدارة التوتر يمكن أن تكون الخيار الأمثل للتعافي على المدى الطويل. يجب تطبيق هذه التقنيات بدلاً من اللجوء إلى التداوي الذاتي المؤذي في مرحلة العلاج، حيث أن تنفيس إجهاد العمل يساهم في الحد من اضطرابات القلق والاكتئاب التي تسبب إساءة استخدام المواد المخدرة والإدمان عليها.
أفكار لإدارة التوتر بأسلوب صحي
فيما يلي بعض الأفكار الخاصة بإدارة التوتر بأسلوب صحي:
1. تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية
عندما يسيطر العمل على حياة الإنسان، تتولد مشاعر الغضب والاكتئاب. لذا، يُنصح بتخصيص بعض الوقت للقيام بنشاطات لا تتعلق بالعمل، كالذهاب في نزهة أو قراءة كتاب.
2. إتقان إدارة الوقت
وذلك عن طريق إعداد قائمة مهام مرتبة تنازلياً بحسب الأهمية، مع مراعاة القدرات ومستوى الإنتاجية، وتعلم كيفية رفض أعباء العمل الإضافية التي تتجاوز القدرة بأسلوب مهذب.
3. تنفيس الضغوطات
يجب إيجاد طرق للاسترخاء والراحة بعد العمل بعيداً عن العقاقير. يمكن اللجوء إلى نشاطات مثل تمرينات التنفس، أو اليوغا، أو الرياضات الجماعية، أو النشاطات الجسدية، أو الذهاب إلى السينما، أو أي نشاط آخر ممتع.
وأخيرا وليس آخرا
الإقلاع عن الإدمان يسهم في تحسين المزاج، والوظائف العقلية، وأداء العمل، والصحة الجسدية، والعلاقات الاجتماعية، وإدارة الوقت، وتعزيز مشاعر القيمة الذاتية. يستعيد المدمن الأمل بالمستقبل عند الخضوع لعلاج الإدمان الكحولي أو المواد المخدرة في مراكز إعادة التأهيل بمساعدة المتخصصين. أنت قادر على تقويم حياتك واستعادة السيطرة عليها؛ لذلك، ننصحك بطلب المساعدة الطبية في أسرع وقت ممكن، فهل ستتخذ الخطوة الأولى نحو حياة أكثر صحة وسعادة؟











