بحر الأربعين: تحولات تاريخية واعتقادات شعبية في جدة
في ذاكرة أهل جدة، حتى وقت قريب، بقي ما يعرف بـ “بركة بحر الأربعين”، وهي بحيرة صغيرة داخل المدينة. في الماضي القريب، كانت هذه البحيرة مصدر شكوى بسبب الروائح الكريهة المنبعثة منها. ولكن، في العصور السابقة، كان سكان جدة يعتقدون ببركتها وقدرة مياهها على الشفاء من الأمراض، مما حولها مع مرور الزمن إلى مكان مقدس، بزعم أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، عندما زار جدة وجعلها ميناء لمكة المكرمة في العام 26هـ، اغتسل فيها وقال: “هذا بحر مبارك”.
الأهمية التاريخية لبحر الأربعين
يقول مؤرخ جدة أحمد الحضراوي (توفي 1327هـ): “ولم يزل أهل جدة إلى الآن يغسلون مرضاهم فيه تبركًا بمائه كما هو المعهود، وهو أهون البحار وأكثرها بركة وخيرًا”. ولهذا أصبحت لبحر الأربعين مكانة خاصة في أذهان سكان جدة، واستمرت هذه المكانة حتى وقت قريب.
دور العطارين والمعتقدات الشعبية
يروي الصحفي عبدالعزيز أبو زيد في كتابه “حكايات العطارين في جدة القديمة”، ناقلاً معتقدات السكان حول أدوار العطارين ووصفاتهم العلاجية: “بحر الأربعين.. كان يمثل مرحلة مهمة وأساسية من مراحل العلاج عند العطار، فكان سكان جدة القديمة يصدقون كل ما يقوله شيخهم العطار من وصفات شعبية، يذهب أحدهم إلى شاطئ بحر الأربعين للسباحة والاغتسال فيه، وشرب القليل من مياهه الشديدة الملوحة”.
بحر الأربعين كجزء من التشخيص
كان بحر الأربعين يشكل جزءًا من التشخيص لدى العطارين لبعض الحالات التي قد لا يفهمون أعراضها المبكرة، أو يكونون قد احتاروا بشأنها، ليحيلوا ذلك الغموض لمياه الأربعين، وينصحوا المريض بالتبرك بشاطئه ليقدم للعطار السر الذي لم يستطع الوصول إليه، وأحيانًا تكون مياه بحر الأربعين مرحلة رئيسة من مراحل العلاج لبعض الأمراض التي يعرفها العطار.
شهادات من أهالي جدة
وينقل “بوابة السعودية” عن ثلاثة من أهالي جدة المعاصرين له بقوله: “يقول صالح علي خضري، وأحمد، وأسعد تكروني: كان الناس يعتقدون أن مياه بحر الأربعين تشفي بعض الأمراض، وخاصة الأمراض الجلدية والظاهرية، أو الأمراض التي تصيب الشخص فجأة دون أعراض مسبقة.. والكثير كانوا يرتاحون بالسباحة فيه للاعتقاد ببركته، وكانت أعداد قليلة تأتي من خارج جدة للاغتسال والسباحة فيه طلبًا للشفاء”.
الاعتقادات الشعبية وقيمتها الثقافية
وفي هذا دلالة على مدى ترسخ الاعتقاد الشعبي بين سكان جدة في بركة مياه بحر الأربعين، وقيمته العلاجية والشفائية، ورغم عدم توافقها مع الحس العقلي السليم، فإنه لا يمكن عدها أكثر من آثار شعبية قديمة، وفي مقدمتها المعتقدات الأسطورية، أو الخرافية التي لا يزال يتمسك بها الإنسان حتى اليوم.
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يظهر لنا كيف أن بحر الأربعين تحول من مجرد بحيرة صغيرة إلى جزء لا يتجزأ من التراث الشعبي في جدة، وكيف أن المعتقدات الشعبية القديمة لا تزال تؤثر في حياة الناس حتى اليوم، على الرغم من التطورات الحديثة. هل يمكن لهذه المعتقدات أن تستمر في التأثير على الأجيال القادمة، أم أنها ستتلاشى مع مرور الزمن؟











