تيماء: واحة التاريخ والآثار في شمال الجزيرة العربية
تقع محافظة تيماء على بعد حوالي 264 كيلومترًا جنوب شرقي منطقة تبوك، وتتميز بتاريخها العريق وآثارها الغنية. يعود ذلك إلى موقعها الاستراتيجي، وخصوبة أراضيها، ومناخها المعتدل، ووفرة المياه الجوفية، مما جعلها محط أنظار الحضارات المتعاقبة على مر العصور. وبهذا أصبحت تيماء واحدة من أهم المدن في شمال الجزيرة العربية من الناحية التجارية والاقتصادية والزراعية.
تيماء عبر العصور
آثار تعود إلى الألفية الثامنة قبل الميلاد
تُعتبر تيماء من أقدم الواحات التي تم اكتشاف آثار تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد فيها. خلال العهد الآشوري والبابلي، اكتسبت أهمية كبيرة، حيث اتخذها الملك نبوخذ نصر مقرًا له وعاصمة لدولته لمدة عشر سنوات. في عهد عاديا الأزدي القحطاني، شهدت تيماء نهضة كبيرة، وازدهرت بشكل خاص في عهد حفيده السموأل بن حيا، الذي اشتهر بأمانته وكرمه.
تيماء في العصر الإسلامي
في العصر الإسلامي، أصبحت تيماء مدينة إسلامية، وعين الرسول صلى الله عليه وسلم يزيد بن أبي سفيان واليًا عليها، وكانت منطلقًا للفتوحات الإسلامية. مرت تيماء بأحداث مختلفة خلال هذه الفترة، وشهدت فترات من الازدهار والتراجع.
تيماء الحديثة
في العصر السعودي، بدأت تيماء في النمو والازدهار في مختلف المجالات. وأكسبها تراثها الثقافي والتاريخي شهرة واسعة.
كنوز تيماء الأثرية
تزخر تيماء بالعديد من المعالم الأثرية التي لم تحظ بالاهتمام الإعلامي الكافي.
سور تيماء
يحيط سور تيماء القديمة من جميع الجهات باستثناء الجهة الشمالية، ويعد من أطول الأسوار في الجزيرة العربية وأكثرها تحصينًا. يمتد السور لمسافة تزيد على عشرة كيلومترات، وهو مبني من الحجارة، وفي بعض أجزائه من اللبن والطين. يتراوح ارتفاع السور بين متر واحد وأكثر من عشرة أمتار، وعرضه بين متر ومترين. يعود تاريخ بناء السور إلى القرن السادس قبل الميلاد.
قصر الحمراء
يقع قصر الحمراء شمال تيماء، ويتكون من ثلاثة أقسام: معبد، ومبنيين للسكن. تم الكشف عن القصر في عام 1979م، ومن أهم الآثار التي عثر عليها فيه مسلة تحمل نصًا آراميًا، وحجر مكعب يحوي مشاهد ورموزًا مختلفة. يعود تاريخ القصر إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويعتبر الموقع الوحيد الذي يظهر تاريخه بشكل واضح.
قصر الرضم
يتميز قصر الرضم بشكله المربع وبئره الواقعة في وسطه. جدرانه مشيدة من الحجارة المصقولة ويبلغ عرضها حوالي مترين، وله دعائم من الخارج. يعود تاريخه إلى الألف الأول قبل الميلاد.
قصر البجيدي
تم الكشف عن قصر البجيدي في عام 1412هـ، وهو مربع الشكل وتوجد في أركانه أبراج دائرية. كشفت عمليات التنقيب فيه عن نقوش إسلامية تشير إلى أن الموقع يعود إلى العصر الإسلامي المبكر.
تل الحديقة
يقع تل الحديقة وسط المدينة السكنية الحديثة، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد تقريبًا. تم الكشف عن بعض أجزائه، وعثر فيه على كمية كبيرة من الفخار تشير إلى الكثافة السكانية وازدهار صناعة الفخار.
موقع قرية
يقع موقع قرية على مساحة تزيد على 300 هكتار، ويحتوي على العديد من المعالم العمرانية المشيدة من الحجارة، مثل القصور والمباني المدنية والمنشآت الزراعية. يحتوي الموقع على مدافن من الفترة الآرامية، وهو محصن بسورين داخلي وخارجي تعلوهما أبراج مراقبة. بينت البعثة السعودية الألمانية أن سور الموقع يعود تاريخ إنشائه إلى القرن الـ 19 قبل الميلاد.
مصنع الطوب الفخاري
يقع مصنع للطوب الفخاري داخل المنطقة السكنية الجديدة (حي الروضة). لم يتم الكشف عنه بالكامل، لكنه يشير إلى قيام مصانع لإنتاج الطوب الفخاري في تيماء، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد.
بئر هداج: رمز الكرم والعطاء
بئر هداج هي من أشهر الآبار وأغزرها في العالم القديم، ويعود تاريخها إلى منتصف القرن السادس من الألف الأول قبل الميلاد. تعرضت البئر للعديد من الأحداث عبر تاريخها، حتى اندثرت تمامًا بسبب طوفان اجتاح المدينة في عصر الملك السموأل بن عاديا الغساني في القرن الخامس الميلادي، ويُحتمل أيضًا أن تكون قد تضررت بسبب زلزال ضرب تيماء في القرن السادس الهجري.
أعيد حفر البئر قبل حوالي 400 عام على يد رجل يدعى سليمان بن غنيم، واستمرت في إمداد البلد بالمياه بواسطة السواني حتى عام 1373هـ. يبلغ قطر البئر حوالي 50 قدمًا وعمقها حوالي 40 قدمًا، وهي ذات شكل دائري غير منتظم مطوية بالحجارة، وقد ضرب بها المثل في الكرم، فيوصف الرجل المعطاء بهداج تيماء.
جعلت بئر هداج من تيماء مدينة زراعية كثيرة النخيل، حيث كان يشرب منها 77 جملًا في وقت واحد. ذكر الرحالة فيلبي أن البئر كانت موردًا للعديد من قوافل الجمال وقطعان الماشية التي تقصدها من أماكن بعيدة للسقيا، بالإضافة إلى ري الواحات الزراعية المجاورة. تستطيع البئر أن تسقي 99 جملًا دفعة واحدة خلال فصل الصيف، وتنقل المياه من البئر بواسطة 31 قناة مبنية من الحجارة.
يذكر خبير الآثار الدكتور عبدالرحمن الأنصاري أن هناك صلة بين لفظ هداج واسم هددو أو أدد؛ إله الماء لدى الساميين، وخاصة الآراميين الذين استوطنوا تيماء أوائل الألف الأول قبل الميلاد.
بجوار بئر هداج من جهة الشرق يقع قصر الطلق، وملحق به مسجد قديم تبلغ مساحته التقريبية نحو 800 متر مربع، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الـ 12 الهجري. كما يوجد حي قريان، وهو أحد الأحياء التراثية المتبقية في تيماء ويتميز بقربه من موقع قرية الأثري، بالإضافة إلى عدد من المباني التراثية الأخرى مثل قلعة الناجم، وقلعة البويضا، وقلعة علي الرمان بحي الطعيس.
قصر السموأل (الأبلق الفرد)
اشتهر في تيماء قصر السموأل (الأبلق الفرد) شهرة واسعة، وتحدثت عنه المصادر التراثية بإسهاب. كان صاحبه الملك السموأل بن عاديا الأزدي القحطاني، الذي قال: بنى لي عاديا حصنا حصينا وماء كما شئت استقيت. اكتسب هذا الحصن شهرته بسبب حصانته وشكله المعماري المميز، وعُرف بأسماء عدة، لكن الأشهر هو الأبلق الفرد، والأبلق تعني البناء المشيد من الحجر الأبيض والأحمر. أشادت زنوبيا ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي بهذا الحصن بعد أن فشلت في إخضاع دومة الجندل وتيماء بسبب حصانتهما، وقالت قولتها المشهورة: تمرد مارد وعز الأبلق.
و أخيرا وليس آخرا : هل ستظل تيماء قبلة للباحثين عن عبق التاريخ، و ملتقى الحضارات المتعاقبة؟







