قوة التأمل: طريقك نحو السيطرة على العقل وتحقيق السلام الداخلي
في بداية المرحلة الثانوية، أدركتُ تمامًا أنَّ عقلي قد خرج عن السيطرة. سلسلة من حوادث السيارات بسبب تشتت ذهني، وتدهور أدائي الدراسي، قادت إلى تشخيصي باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، بالإضافة إلى تشخيص سابق باضطراب الوسواس القهري (OCD).
كنت أجلس عازمًا على إنجاز مهمة ما، ولكن سرعان ما أجد نفسي أتصفح الإنترنت لساعات. على الرغم من أن طفولتي التي قضيتها في القراءة وألعاب التركيب جعلتني شخصًا مثقفًا، إلا أنني لم أستطع التركيز لأكثر من 10 ثوانٍ في أي مهمة.
شعرت بالإحباط الشديد، وكأن كل هذا ناتج عن عقل مدرب على البحث عن الإشباع الفوري من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل النصية، ومقاطع الفيديو المسلية. استمرت هذه الحالة من التشتت الذهني حتى اكتشفت ممارسة بسيطة غيرت حياتي.
التأمل: العلاج الفعال
خلال دراستي لعلم النفس في جامعة ييل، استمعت إلى تدوينة صوتية اقترحت التأمل كطريقة لزيادة الإنتاجية والسلام الداخلي. ما بدأ كأداة لزيادة الإنتاجية سرعان ما تحول إلى هاجس، حيث أدركت أنني قادر على تدريب عقلي ليناسب أهدافي.
من خلال التأمل، استعدت ببطء قدرتي على التركيز، واكتشفت أيضًا مجموعة من الفوائد الأخرى، مثل التغيير السلوكي، والتحكم العاطفي، وتحسين المزاج، والنوم الجيد، وتقليل التوتر. هذه التحسينات في وظائف الدماغ مترابطة وتؤكدها الدراسات العلمية حول فوائد التأمل.
أنت تملك السلطة على عقلك، وليس على الأحداث الخارجية، ويجب أن تدرك هذا الأمر، وستجد القوة.
– الفيلسوف ماركوس أوريليوس
أدركت مدى قوة السيطرة على العقل في عالم مليء بالمشتتات. في عالم اليوم الذي يزداد فيه الطلب على انتباهنا، تستفيد الشركات بشكل كبير من ذلك، لذا من الضروري أن نكون قادرين على تحديد طريقة تفكيرنا وشعورنا وتفاعلنا مع العالم من حولنا.
بعد عام من التخرج، وإدراكًا مني لأهمية التأمل وعزمي على نشر هذه الفكرة، تركت وظيفتي في مجال التمويل وسافرت إلى بالي في إندونيسيا لأصبح مدرسًا معتمدًا للتأمل من تحالف مدربي اليوغا (YTT). بعدها، أمضيت وقتًا في الجبال مع متخصصين في التأمل، حيث كنت أتأمل في صمت لمدة 17 ساعة يوميًا.
كيف تبدأ التأمل؟
توجد عدة طرق مختلفة للتأمل، وقد يبدو البدء صعبًا. ما سأقدمه ليس حلًا سريعًا، بل يتطلب جهدًا مستمرًا لتغيير طريقة تفكيرك، تمامًا مثل تدريب أي عضلة في الجسم. كل شخص لديه القدرة على إحراز تقدم كبير، ولكن فقط الأشخاص المنضبطون سيصلون إلى المراحل المتقدمة.
من أين نبدأ التأمل؟
تقدم بوابة السعودية فيما يأتي 5 طرق للبدء بممارسة التأمل:
1. الالتزام بممارسة منتظمة
اختر مقدارًا من الوقت يكون قصيرًا جدًا بحيث يبدو ممكنًا حتى في أكثر أيامك ازدحامًا. على سبيل المثال، إذا كان لديك ثلاث دقائق فقط، ابدأ بممارسة التأمل يوميًا بانتظام. الطريقة الوحيدة للفشل في التأمل هي التوقف عن الممارسة. بعد ذلك، زد مقدار الوقت الذي تقضيه في التأمل ببطء واسعَ للتأمل 20 دقيقة في نهاية الشهر الأول.
2. البحث عن وضعية ملائمة
لا توجد حاجة لاتخاذ وضعية جلوس معقدة لتتمكن من ممارسة التأمل. يجب أن يكون العمود الفقري مستقيمًا (بحيث يبقى عقلك متيقظًا)، لا تجلس وظهرك متشنج وكذلك لست مسترخياً، يمكنك الجلوس على كرسي أو وسادة أو حتى جاثياً، أيًا كان ما يناسبك.
3. التنفس
في عالم اليوم، نقضي الكثير من الوقت في حالة الكر أو الفر. إذا كنت تفكر كثيرًا وتشعر بالقلق، ابدأ بأخذ أنفاس طويلة وعميقة من خلال أنفك، ويمكنك الزفير لفترة أطول من الشهيق للمساعدة على تنشيط الجهاز العصبي الودي.
4. تركيز انتباهك
ركز انتباهك في مكان واحد، في أي مكان تشعر فيه بأنفاسك أكثر في جسدك، وهذا المكان عادةً ما يكون إما المعدة أو الأنف. مهما كان اختيارك، ما عليك سوى مراقبة تنفسك بأكبر قدر ممكن في تلك المنطقة.
حافظ على تركيزك هناك لأطول فترة ممكنة، وفي كل مرة تجد فيها حالة تشتت في ذهنك، أعد تركيزك بعناية إلى أنفاسك. الفكرة هنا ليست إجبار الأفكار على الخروج، وإنما التعرف إليها بوصفها أفكارًا والعودة إلى موضوع التأمل الخاص بك.
في أول أسبوعين، ستلاحظ أن عقلك يسرح كثيرًا بعد أن تتنفس مرتين متناسيًا أنك تمارس التأمل. أنت تدرب تركيزك؛ أي القدرة على التحكم الواعي بالمكان الذي توجه فيه عقلك.
5. الوعي
من المهم صقل تركيزك قبل الانتقال إلى هذه الخطوة وإلا ستجد أنه من المستحيل إبعاد العقل عن الشرود. يتضمن الوعي الاستنباطي جعل تجربتك كاملة؛ أي أن يكون العقل نفسه موضوع اهتمامك الجديد.
ما هو شعورك في هذه اللحظة؟ ما هي أنواع الأفكار والمشاعر والأحاسيس التي تنشأ؟ ببساطة راقب هذه الأمور دون تشتيت.
تأتي العديد من فوائد التأمل من زيادة ما وراء المعرفة نتيجة لهذه الخطوة الخامسة، وعندما تصبح أكثر وعيًا بطريقة عمل عقلك فإنك تكتسب المزيد من التحكم بعقلك الداخلي.
و أخيرا وليس آخرا
قدمت بوابة السعودية في هذا المقال خطوات عملية لبدء ممارسة التأمل، مع التركيز على أهمية الالتزام والممارسة المنتظمة لتحقيق أقصى فائدة. هل يمكن لهذه الممارسات البسيطة أن تحدث فرقًا حقيقيًا في عالمنا المليء بالمشتتات؟ وهل نحن على استعداد لتخصيص بعض الوقت لتدريب عقولنا والسيطرة عليها؟











