المساجد التاريخية في الطائف: كنوز معمارية تحكي تاريخًا عريقًا
تزخر محافظة الطائف بتاريخ عريق يتجلى في معالمها الأثرية، ومن أبرز هذه المعالم المساجد التاريخية التي تعكس الحضارة الإسلامية وتطور فن العمارة على مر العصور. يمثل جامع عبدالله بن العباس أهمية خاصة في قلوب المسلمين، إذ يعتبر نواة المدينة الإسلامية.
المساجد القديمة في الطائف: شاهد على الحضارة والتطور
تتميز المساجد القديمة في الطائف بتصميمها المعماري الفريد وزخارفها الإسلامية الأصيلة، مما يجعلها شاهدًا حيًا على الحضارة والتطور الذي شهدته المنطقة. نستعرض فيما يلي أبرز هذه المساجد:
مسجد الصحابي الجليل عبدالله بن عباس
يُعد مسجد عبدالله بن عباس من أشهر مساجد الطائف، وقد تأسس في عام 592 هـ في عهد الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء العباسي. سُمي المسجد بهذا الاسم لأنه يقع بجوار مقبرة الصحابي الجليل عبدالله بن عباس، حبر الأمة وفقيهها رضي الله عنه. يقع المسجد في قلب الطائف ويتسع لحوالي 3000 مصلٍ، ويشهد إقامة الصلوات والجمع وصلاة الأعياد، وقد شهد المسجد العديد من مراحل التطوير على مر العصور.
يذكر المؤرخ عيسى القصير أن ابن عباس كان يفضل التنقل بين الشام والمدينة المنورة والطائف لنشر العلوم الدينية وتعليم الناس، إلا أنه استقر في الطائف لقربها من مكة المكرمة حتى وفاته عام 68 هـ، ودُفن في الجهة التي تقع أمام مصلى النساء حاليًا. بُني المسجد بعد ذلك حول قبره وسُمي باسمه. يقع بجوار قبر ترجمان القرآن، قبر الإمام محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، الأخ غير الشقيق للحسن والحسين، وتقول بعض الروايات أن هناك قبرًا ثالثًا لعبدالله بن رسول الله، الملقب بالطاهر الطيب، المدفون هو الآخر هناك.
يقع مسجد عبدالله بن عباس الحقيقي اليوم في المثناة في سفح جبل المدهون من شرقه، وهو مبنى مستطيل الشكل به حوش خارجي مغلق مبني بالحجارة. تم بناؤه بالمسلح الحديث في العهد السعودي، والتوسعة الأخرى القائمة حاليًا كانت مطلع عهد الملك فيصل، وبلغت مساحة المسجد ما يقارب 15 ألف متر مربع.
مسجد الكوع
يقع مسجد الكوع في المثناة، ويُعرف أيضًا بمسجد الموقف، ويقع في السفح الجنوبي من جبل أبي الأخيلة، الذي يُطلق عليه العامة الآن جبل أبي نخيلة. يطل المسجد على الشريعة، أي مشرعة عين المثناة، وأمامه دار تُعرف بالباطنة. وهو عبارة عن شكل مربع يبلغ طوله حوالي 8 أمتار وعرضه 7 أمتار وارتفاعه 3 أمتار، وفي نهايته فناء مكشوف يبلغ طوله 7 أمتار.
يوجد أيضًا مسجد صغير أسفل جبل أبي زبيدة يسمى مسجد الكوع، ويشير المؤرخون إلى أنه مقام على بقعة وقف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عند قدومه الأول.
مسجد عداس
يقع مسجد عداس في وسط بساتين المثناة الغربية، إلى الشرق من مسجد الخبزة بحوالي نصف كيلو متر تقريبًا. سُمي المسجد بهذا الاسم نسبة إلى عداس النصراني، وهو مولى عتبة ابن ربيعة. يعتبر هذا المسجد من أروع المساجد، سواء في الشكل أو التصميم أو الطراز والنقوش الإسلامية من الداخل والخارج.
يُذكر أن عداس كان غلامًا قدم الطعام لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قفل عائدًا من الطائف بعد أن واجه صنوفًا من التكذيب والأذى والحذف بالحجارة، فجلس يستريح في بستان؛ فجاءه غلام اسمه عداس وكان من نينوى، فلما ذكر له أنه من نينوى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هذه بلاد أخي يونس بن متى”، ثم أسلم عداس وأحضر للنبي صلى الله عليه وسلم بعض الطعام.
مسجد الخبزة
يقع مسجد الخبزة في بستان الرقاب الكبير بالمثناة الغربية، وهو قريب من مسجد الكوع. يعتبر من أشهر المساجد وأقدمها في الطائف، ويتميز ببنائه القديم، وله مئذنة في الجزء الجنوبي الشرقي، وعلى يمين المحراب يوجد منبر، وهو دليل على الطراز القديم في المساجد.
تم تجديد عمارته حديثًا وسُمي بذلك لأن من تحته تمر عين الخبزة، وهو في بستان الرقاب الكبير، كما يسمى مسجد الحصن لوجود آثار حصن متهدم بجواره. بالقرب من مسجد الكوع بالمثناة، وهو مربع الشكل، طول ضلعه 12 مترًا، ويحيط به صحن مكشوف من الجهتين الشرقية والجنوبية، ويقع المحراب في الضلع الغربي، ويستدل على أنه مسجد جامع بالمنبر الموجود على يمين المحراب. تقع المئذنة في الركن الشرقي من المسجد.
مسجد المدهون أو القنطرة أو قابل
تتعدد مسميات هذا المسجد، فيُسمى المدهون نسبة إلى الجبل الذي يقع بجواره، نسبة إلى رجل كان يقطن في هذا الجبل. أما القنطرة فهي عبارة عن قنطرة ماء تعبر من فوقها عين المثناة وسيل وادي وج من تحتها. كما يُسمى مسجد قابل لأن بجواره مزرعة لآل قابل، وأهل هذه المنطقة هم الأشراف الشنابرة وكلاء عن أخوالهم آل غالب في مزارعهم، وكذلك بعض الحمدة من ثقيف و طويرق، وقريش.
المسجد محاط بسور حديدي كحماية له وبجواره منارة رائعة تصل إليها بواسطة درج حلزوني حجري، ومئذنة اسطوانية، وتحتها غرفة مقسمة استُعملت لقراءة القرآن والدروس الدينية.
يُعتبر مسجد المدهون بالطائف من المساجد التي عُمّرت خارج سور الطائف، وهو شرق مسجد الطائف ومسجد الكوع، ويقع على سطح جبل المدهون من غرب الجبل، ويعزو المؤرخون التسمية لوجود عين ماء تمر هناك، ويعود بنائه إلى العصر العثماني.
وأخيرا وليس آخرا
تعكس المساجد التاريخية في الطائف جزءًا هامًا من تاريخ المدينة وتراثها الإسلامي، فهي ليست مجرد أماكن للعبادة، بل هي معالم ثقافية واجتماعية تشهد على عظمة الحضارة الإسلامية وتطورها عبر العصور. فهل ستظل هذه المساجد محتفظة برونقها وقيمتها التاريخية في ظل التطورات الحديثة؟ هذا ما نأمل أن نراه في المستقبل.











