صالح الفوزان: مسيرة عالم جليل في خدمة الشريعة
صالح بن فوزان الفوزان، من مواليد عام 1354هـ الموافق 1935م، يتبوأ مكانة رفيعة كـ مفتي عام المملكة العربية السعودية. إضافة إلى ذلك، يرأس هيئة كبار العلماء ويشغل منصب الرئيس العام للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء منذ 30 ربيع الآخر 1447هـ، الموافق 22 أكتوبر 2025م. يُعد الفوزان رابع مفتٍ في تاريخ المملكة، سلفًا لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبدالعزيز بن باز، وعبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ.
نشأة وحياة الشيخ صالح الفوزان
نشأ الشيخ صالح الفوزان يتيمًا بعد وفاة والده، فوزان بن عبدالله الفوزان، وهو لا يزال صغيرًا. يعود بأصوله إلى الشماسية بمنطقة القصيم، حيث ترعرع في كنف أسرته وتلقى تعليمه الأولي في حفظ القرآن الكريم. بدأ بتعلّم القراءة والكتابة على يد الشيخ حمود بن سليمان التلال، إمام مسجد بلدته الذي كان يشغل أيضًا منصب القضاء في بلدة ضرية بالقصيم.
المسيرة التعليمية للشيخ الفوزان
في عام 1369هـ الموافق 1950م، التحق الشيخ صالح الفوزان بالمدرسة الحكومية التي افتُتحت في الشماسية. بعد ذلك، أكمل دراسته الابتدائية في المدرسة الفيصلية ببريدة عام 1371هـ الموافق 1952م. عمل مدرسًا في المرحلة الابتدائية حتى عام 1373هـ الموافق 1954م، حيث التحق بالمعهد العلمي في بريدة كواحد من أوائل طلابه. بعد تخرجه بأربع سنوات، انتقل إلى كلية الشريعة في الرياض، وتخرج فيها عام 1381هـ الموافق 1961م. حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفقه، حيث كانت رسالة الماجستير بعنوان “التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية في المواريث”، بينما كانت رسالة الدكتوراه بعنوان “أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية”.
تلقيه العلم على يد كبار العلماء
تتلمذ الشيخ صالح الفوزان على يد العديد من العلماء والفقهاء البارزين، وعلى رأسهم المفتي العام للمملكة الأسبق، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، والشيخ عبدالله بن حميد، الذي كان يحضر دروسه في جامع بريدة، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ محمد بن سبيل، والشيخ عبدالله بن صالح الخليفي، بالإضافة إلى عدد من مشايخ جامعة الأزهر الذين تم انتدابهم لتدريس اللغة العربية والتفسير والحديث.
المناصب التي شغلها الشيخ صالح الفوزان
بدأ الشيخ صالح الفوزان مسيرته المهنية بالتدريس في المعهد العلمي بالرياض بعد تخرجه في كلية الشريعة. ثم انتقل للتدريس في الدراسات العليا بكلية أصول الدين، وبعدها في المعهد العالي للقضاء. تولى منصب مدير المعهد العالي للقضاء، وبعد انتهاء فترة تكليفه الإدارية، استمر في التدريس في المعهد نفسه. ثم عُيِّن عضوًا في اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية.
صالح الفوزان مفتيًا للمملكة
في 30 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 22 أكتوبر 2025م، صدر أمر ملكي بتعيين الشيخ صالح الفوزان مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية، ورئيسًا لهيئة كبار العلماء، ورئيسًا عامًا للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمرتبة وزير.
مشاركات وعضويات الشيخ الفوزان
يشارك الشيخ صالح الفوزان بانتظام في الإصدارات العلمية من خلال البحوث والفتاوى والدراسات والرسائل، التي جُمع بعضها وطُبع، والبعض الآخر قيد الطباعة. كما أشرف على العديد من الرسائل العلمية في مراحل الدراسات العليا بالجامعات السعودية، وتتلمذ على يديه العديد من طلاب العلم الشرعي الذين حضروا دروسه ومجالسه.
مناصبه الأخرى
إضافة إلى ذلك، فإن الشيخ الفوزان هو إمام وخطيب ومدرس بجامع الأمير متعب بن عبدالعزيز آل سعود في حي الملز بالرياض، وعضو في لجنة الإشراف على الدعاة في الحج، وعضو في المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي. كما يشارك في الإجابة عن أسئلة المستفتين في البرنامج الإذاعي “نور على الدرب”، انطلاقًا من إيمانه بحاجة الناس إلى من يفتيهم ويحل مشكلاتهم، ويتناول قضاياهم من أهل العلم الشرعي والاختصاصات الفقهية. يُذكر أيضًا أنه من المشايخ المشرفين على عدد من الرسائل العلمية لطلاب الدراسات العليا في الجامعات السعودية.
مؤلفات الشيخ صالح الفوزان
ألف الشيخ صالح الفوزان العديد من الكتب في العلوم الشرعية، منها “التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية في علم المواريث”، وهي رسالته في مرحلة الماجستير، وكتاب “أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية”، وهو الرسالة التي قدمها في مرحلة الدكتوراه. كما ألّف كتبًا أخرى مثل: “الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد”، و”البيان فيما أخطأ فيه بعض الكُتّاب”، وكتاب “من أعلام المجددين في الإسلام”، و”مجموع محاضرات في العقيدة والدعوة”، و”الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام في الإسلام”، و”مجموع فتاوى في العقيدة والفقه”، وهو كتاب مفرغ من برنامج “نور على الدرب”.
المزيد من مؤلفاته
أصدر الشيخ الفوزان أيضًا كتاب “التعقيب على ما ذكره الخطيب في حق الشيخ محمد بن عبدالوهاب”، وكتاب “شرح العقيدة الواسطية”، و”الخطب المنبرية في المناسبات العصرية”، وكتاب “رسائل في مواضيع مختلفة”، و”الضياء اللامع من الأحاديث القدسية الجوامع”، وكتاب “التوحيد في المقررات الثانوية”، و”إتحاف أهل الإيمان بدروس شهر رمضان”، وكتاب “الملخص الفقهي”، و”فتاوى ومقالات نشرت في مجلة الدعوة”، و”بيان ما يفعله الحاج والمعتمر”، إضافةً إلى رسائل وبحوث علمية أخرى، بعضها مطبوع والآخر في طريقه إلى النشر.
علاقة الشيخ صالح الفوزان بالشيخ ابن باز
كان الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، المفتي العام للمملكة الأسبق، أحد أبرز العلماء الذين تتلمذ على يدهم الشيخ صالح الفوزان. تلقى الشيخ الفوزان على يد الشيخ ابن باز علم الفرائض والمواريث في كلية الشريعة بالرياض، بالإضافة إلى حضوره دروسه ومحاضراته والاستماع إلى برامجه الإذاعية في العلم والفتوى.
الاستفادة من الشيخ ابن باز
عندما انتقل الشيخ الفوزان للعمل في دار الإفتاء، كان الشيخ عبدالعزيز بن باز رئيسه، مما أتاح له الاستفادة منه في مجالات العلم الشرعي، والتثبُّت في الإجابة عن الفتاوى، وتحري الدقة والصواب، بالإضافة إلى التحمل والصبر على مشاق العمل، وبناء الأجوبة على أدلة الكتاب والسنة، مع مراعاة المسؤولية والخوف من الله عز وجل، والتخلص من الإخلال والتساهل والتفريط فيما يفتي به الناس.
برامج الشيخ صالح الفوزان الإذاعية
بالإضافة إلى مشاركته في برنامج “نور على الدرب”، قدم الشيخ صالح الفوزان برنامجًا إذاعيًّا بعنوان “قراءة لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية” في إذاعة القرآن الكريم. جاءت فكرة البرنامج بطلب من الإذاعة، بهدف تعريف المستمعين بفتاوى ابن تيمية. قام الشيخ بكتابة محتوى البرنامج من الفقه والعلم، واستمر بث البرنامج بشكل أسبوعي لعدة سنوات، ووصل الشيخ من خلاله إلى الجزء العاشر من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم توقف بعد ذلك.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا العرض لمسيرة الشيخ صالح الفوزان، نجد أنفسنا أمام قامة علمية جمعت بين العلم الشرعي والعمل الدؤوب في خدمة الدين والمجتمع. مسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات، تركت بصمة واضحة في الفقه والدعوة. فهل يمكن لمثل هذه القامات أن تستمر في إلهام الأجيال القادمة، وتقديم النموذج الأمثل للعالم العامل بعلمه؟ هذا ما نأمله ونتطلع إليه.











