التداوي الذاتي: الأسباب والعلامات وكيفية التغلب عليه
يشير مصطلح التداوي الذاتي إلى استخدام الفرد لمواد مختلفة، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، بهدف تخفيف أعراض الاضطرابات النفسية أو الجسدية. قد يكون الشخص على علم بمشكلة صحية نفسية يعاني منها، ولكنه يجهل كيفية التعامل معها بشكل صحيح، أو قد يلجأ لتناول العقاقير المهدئة دون تشخيص طبي للتغلب على أعراض أو مواقف معينة.
تأثير الجائحة على التداوي الذاتي
خلال جائحة كورونا، ومع ما خلفته من صعوبات اقتصادية واجتماعية، لجأ الكثيرون إلى التداوي الذاتي كوسيلة للتعامل مع التوتر والقلق والاكتئاب. وعلى الرغم من أن هذه الممارسة قد توفر بعض الراحة المؤقتة، إلا أنها قد تؤدي إلى تفاقم المشكلات على المدى الطويل.
مخاطر التداوي الذاتي
سواء كان الفرد يستخدم عقاقير ممنوعة، أو أدوية صيدلانية تتطلب وصفة طبية، أو حتى يلجأ إلى الطعام أو التدخين، فإن التداوي الذاتي المنتظم قد يقود إلى الإدمان، وتفاقم اضطرابات المزاج، وزيادة المشكلات الصحية. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤثر سلبًا في العلاقات الشخصية والمهنية.
ومع ذلك، يمكن تغيير هذا النمط السلوكي من خلال فهم الأسباب الكامنة وراء التداوي الذاتي، ومعرفة المحفزات التي تدفع الفرد إليه، وإيجاد طرق صحية وفعالة للتعامل مع المشكلات، وتحسين المزاج والصحة العامة.
سوف نتناول في هذا المقال الأسباب التي تؤدي إلى ممارسة التداوي الذاتي، وست علامات تدل على أن الفرد يعتمد على هذا النوع من أساليب التكيف غير الصحية.
الأسباب التي تدفع إلى التداوي الذاتي
المشاعر السلبية والصعوبات الحياتية
جميعنا نشعر بالقلق والإحباط والضياع من وقت لآخر، نتيجة للصعوبات والمواقف المزعجة التي نواجهها في الحياة اليومية. ولكن عندما تسيطر مشاعر الإحباط أو الخوف أو الحزن أو الغضب أو التوتر الشديد على الفرد، وتؤثر في أدائه اليومي، فقد يكون ذلك مؤشرًا على حاجته إلى مساعدة طبية لعلاج الأسباب الكامنة وراء هذه الأعراض.
تجنب العلاج الطبي
بدلًا من اللجوء إلى الطبيب، قد يميل البعض إلى محاولة التأقلم بأنفسهم بأبسط الطرق الممكنة، مثل تناول دواء مهدئ. وقد يلجأ البعض الآخر إلى هذه المواد لنسيان الذكريات أو المشاعر المؤلمة، مثل الفواجع التي لم تُعالج آثارها النفسية بعد. في حين يتناول البعض العقاقير للتعامل مع المواقف التي تسبب لهم القلق، أو للحفاظ على تركيزهم خلال أداء المهام اليومية. وكما تختلف دوافع التداوي الذاتي من شخص لآخر، كذلك تختلف طرائقه.
أشكال التداوي الذاتي
1. المشروبات الكحولية
يُعدُّ تعاطي المشروبات الكحولية من أكثر طرق التداوي الذاتي شيوعًا. يستخدم بعضهم هذه المشروبات للتخفيف من التوتر والاكتئاب والقلق، على الرغم من أن معظم المشروبات الكحولية هي في الواقع مثبطة لعمل الجهاز العصبي، ما يعني أنها تؤدي إلى تفاقم الأعراض لاحقًا.
2. الأدوية الصيدلانية
تتوفر على نطاق واسع الأدوية الصيدلانية مثل مسكنات الألم الأفيونية وأدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والأدوية المضادة للقلق. تُستخدم هذه الأدوية لأغراض متنوعة تتراوح بين تسكين الألم أو الشعور بالاسترخاء إلى تعزيز التركيز وزيادة الطاقة.
3. العقاقير الإدمانية
تُستخدم المواد المخدرة ذات التأثير المهدئ مثل الماريجوانا أو القنب، أو المنشطات مثل الكوكايين والأمفيتامينات للتعامل مع المشاعر والمواقف والذكريات المؤلمة. يمكن أن يؤدي استخدامها إلى تعاطي المخدرات أو الإدمان.
4. الأكل العاطفي
يمكن أن يُستخدم الطعام أيضًا من قبل المصابين باضطراب الأكل العاطفي بوصفه شكلًا من التداوي الذاتي بهدف التعامل مع المشاعر المؤلمة، والمواقف التي تسبب التوتر أو القلق أو الاكتئاب. ونظرًا لأن معظم الناس يفضلون الطعام المحلى والغني بالسعرات الحرارية والدهون غير الصحية، فإن الأكل العاطفي يمكن أن يؤدي إلى السمنة واضطرابات المزاج.
5. النيكوتين
يساعد النيكوتين الموجود في السجائر ومنتجات التبغ الأخرى بعض الأشخاص على التركيز، على الرغم من أنه يؤدي على المدى الطويل إلى تفاقم أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، ويمكن أن يتحول إلى إدمان يصعب الإقلاع عنه.
علامات تدل على ممارسة التداوي الذاتي
صعوبة تحديد التداوي الذاتي
ليس من السهل دائمًا تحديد ما إذا كان الفرد يمارس التداوي الذاتي. فبعض ممارسات التداوي الذاتي قد تكون مقبولة اجتماعيًا في بعض الثقافات، ويمكن العثور على الأدوية الصيدلانية مثل مسكنات الألم في صيدلية أي منزل تقريبًا، وأصبح استخدام الكثير من المواد مثل الماريجوانا قانونيًا في العديد من البلدان.
أهمية معرفة الدوافع والتأثير
لتحديد ما إذا كنت تمارس التداوي الذاتي، من الضروري معرفة دوافعك وراء استخدام هذه المواد، وتأثير هذا السلوك في حياتك. على سبيل المثال، هل تتناول مسكنات الألم لأن ظهرك يؤلمك، أم لأنك تشعر بالتوتر بعد يوم عمل طويل وتريد تخفيف شعورك بالتوتر؟ وهل تتناول الطعام لتغذية جسمك بالعناصر الغذائية المفيدة، أم لأنك متوتر وقلق، وتريد التخفيف من حدة هذه المشاعر؟
علامات تشير إلى أنك تمارس التداوي الذاتي
1. اللجوء إلى المشروبات الكحولية أو العقاقير عند الشعور بالقلق أو التوتر أو الاكتئاب
قد يستخدم الكثيرون بعض أو كل المواد المذكورة سابقًا للتعامل مع المشاعر المؤلمة التي تسببها الأحداث غير السارة، مثل فقدان الوظيفة والانفصال عن الشريك. ولكن إذا كنت تلجأ إلى هذه الأساليب بانتظام للتعامل مع التوتر أو لتخفيف الشعور بالملل أو لتحسين مزاجك أو لتهيئة نفسك للمشاركة في المناسبات الاجتماعية، فمن المرجح أنك تمارس التداوي الذاتي.
2. تفاقم الوضع بسبب تناول المشروبات الكحولية والعقاقير
قد تعالج هذه المواد المشكلات علاجًا مؤقتًا، ولكن بمجرد أن تزول الآثار المهدئة، فمن المرجح أن تزداد المشكلة سوءًا. ويمكن لأساليب التداوي الذاتي أن تؤثر سلبًا في جودة نومك، وتستنزف طاقتك وتضعف جهاز المناعة، وهذا يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، وسوف يتأثر مزاجك وصحتك العاطفية أيضًا عندما تقع في حلقة مفرغة من اضطراب المزاج، وستزيد استخدام العقاقير والمشروبات الكحولية لتحسين مزاجك.
3. ازدياد الحاجة لجرعات أكبر للشعور بالراحة
بعد أن كان يكفي تناول جرعات قليلة من تلك المواد لتخفيف التوتر أو القلق في نهاية اليوم، فإنك تحتاج الآن إلى جرعات أكبر للشعور بالراحة. وتعني زيادة تحمل جسمك لتلك المواد أنك تحتاج إلى جرعة أكبر منها للحصول على التأثير السابق نفسه، وسيزداد تحمل جسمك للمادة مع الاستمرار في التداوي الذاتي، وستزداد المشكلات الناجمة عن تناول هذه المواد، ولا يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة إلا بإيجاد طرق صحية للتعامل مع مشكلات التوتر والقلق وغيرها.
4. ظهور مشكلات أخرى كمضاعفات
قد تلجأ لتناول الكحول من أجل التعامل مع التوتر، ولكنك أصبحت تعاني الآن من مشكلات على صعيد الصحة والعلاقات والمال، وينبغي عليك التعامل معها جميعًا، ناهيك عن تفاقم التوتر وهو المشكلة الأساسية في هذا المثال، والنتيجة هي ظهور مزيد من المشكلات كلما واظبت على التداوي الذاتي.
5. الشعور بالقلق عند عدم القدرة على الحصول على المواد المهدئة
إذا كنت ممن يشعر بالقلق بشأن قدرته على التعامل مع المواقف الاجتماعية عندما لا تكون تلك المواد متوفرة، أو كنت ممن يشعر بالتوتر عندما تشارف أدويتك الصيدلانية على النفاد، أو تنتظر بفارغ الصبر تقاضي راتبك حتى تتمكن من شراء العقاقير المهدئة أو غير ذلك، فمن المرجح أنك تمارس التداوي الذاتي نظرًا لأن شعور الضيق الذي تختبره عندما لا تكون قادرًا على توفير هذه المواد، يشير قطعًا إلى إدمانك على التداوي الذاتي.
6. قلق العائلة والأصدقاء بشأن صحتك
هل أعرب الأشخاص الذين يهتمون لأمرك عن قلقهم بسبب إفراطك في تناول المواد المهدئة؟ أو لاحظوا تغييرات في شخصيتك أو سلوكك أو حياتك الاجتماعية؟ يمكن أن يؤثر الإدمان على مواد التداوي الذاتي في المقربين منك مثلما يؤثر فيك أيضًا، وعلى الرغم من سهولة تجاهل مخاوف الآخرين، والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، إلا أن أخذ مخاوف أحبائك وأفراد عائلتك بالحسبان، والاعتراف بأنك أصبحت مدمنًا على التداوي الذاتي يحتاج إلى شجاعة كبيرة.
وأخيراً وليس آخراً
تناولنا في هذا المقال الأسباب التي تدفع الأفراد إلى ممارسة التداوي الذاتي، وذكرنا أهم ست علامات تدل على ممارسة هذا الأسلوب غير الصحي من أساليب التكيف. يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نجد طرقًا صحية وفعالة للتغلب على هذه العادة وتجنب الوقوع في دائرة الإدمان والمشكلات الصحية والنفسية؟







