كنوز جدة التاريخية: استكشاف أعماق الماضي العريق
يجسد التجول في دروب جدة شعورًا تاريخيًا آسرًا، يلامس شغاف القلب بينما تتبع آثار التجار والحجاج الذين ازدحمت بهم شوارعها النابضة بالحياة عبر العصور، حيث امتزجت الأصالة بالمعاصرة لترسم ملامح المستقبل.
تزخر جدة بالعديد من المعالم الأثرية والتاريخية التي تميز تاريخها العريق، وفيما يلي أبرز هذه المعالم:
بوابة جدة وسورها التاريخي
تتميز مدينة جدة ببوابتها التاريخية الشهيرة، بالإضافة إلى السور الذي يربط بين هذه البوابات. يعود الفضل في بناء سور جدة إلى الأمير المملوكي حسين الكردي، الذي قام بتحصين البحر الأحمر ضد الهجمات البرتغالية. شملت التحصينات بناء قلاع وأبراج عالية، وتزويدها بمدافع قوية لصد السفن الحربية، وقد ساهم أهالي جدة في بناء هذا السور.
تاريخ السور والبوابات
احتوى السور على بوابتين، إحداهما باتجاه مكة المكرمة والأخرى باتجاه البحر. ومع التوسع العمراني، أُزيل السور في عام 1947م ليتماشى مع التطورات الحديثة.
حارات جدة القديمة: فسيفساء من التراث
انقسمت مدينة جدة من الداخل إلى عدة أحياء عُرفت قديمًا باسم “حارات جدة القديمة“، وقد سُميت هذه الحارات تبعًا لأحداث تاريخية أو لمواقعها الجغرافية. فيما يلي استعراض لأهم هذه الحارات:
- حارة المظلوم: أقدم حارات جدة، تقع في الشمال الشرقي من المدينة، وسُميت نسبة إلى السيد عبد الكريم البرزنجي الذي قُتل ظلمًا على يد العثمانيين. من أبرز معالمها التاريخية سوق الجامع ومسجد الشافعي.
- حارة اليمن: تقع في جنوب المدينة، وتُنسب إلى قربها من اليمن.
- حارة الشام: تقع في شمال المدينة، وتضم دار السرتي ودار الزاهد.
- حارة البحر: تقع في الجنوب الغربي للمدينة وتطل على البحر، وكانت تسكنها عائلة رضوان المعروفة آنذاك بـ “رضوان البحر”.
- حارة الكرنتينة: تقع جنوب مدينة جدة، في واجهة الميناء البحري القديم. لاحقًا، رُدمت المياه الضحلة أمامها لإنشاء ميناء جدة الإسلامي ومصفاة البترول.
مساجد جدة القديمة: منارات تاريخية
تتميز جدة بتاريخها العريق الذي تشهد عليه مساجدها القديمة. من أبرز هذه المساجد:
- مسجد عثمان بن عفان: ذكره الرحالة المسلم ابن بطوطة وابن جبير، وكان يُعرف بمسجد الأبنوس نسبة إلى خشبه المستخدم في بناء المسجد. يقع في حارة المظلوم، وأُضيفت إليه مئذنة ضخمة في القرنين التاسع والعاشر الهجريين.
- مسجد الإمام الشافعي: يقع أيضًا في حارة المظلوم بسوق الجامع، ويعتبر من أقدم المساجد في المدينة. بُنيت منارته في القرن السابع الهجري على الأرجح، ويتميز بتصميمه المعماري الفريد وصحنه المكشوف. رُمم المسجد في العصر الحديث، ولا تزال تقام فيه الصلوات.
- مسجد الباشا: يقع في حارة الشام، بناه والي جدة بكر باشا عام 1735م، وسُمي باسمه. هُدم المسجد في أواخر القرن العشرين وأعيد بناؤه.
- مسجد عكاش: يقع في حارة قابل، أُنشئ قبل عام 1379 هـ، وجدده عكاش أباظة وسماه باسمه. رُفعت أرضية المسجد ولا تزال تقام فيه الصلاة حتى اليوم.
- مسجد المعمار: يقع في حارة المظلوم، أعاد بناءه مصطفى معمار باشا عام 1384 هـ وسُمي باسمه. لا يزال المسجد قائمًا وتُقام فيه الصلوات.
توجد العديد من المساجد التاريخية الأخرى في جدة، مثل مسجد الرحمة، ومسجد الملك سعود، ومسجد الجفالي، ومسجد حسن عناني.
سوق جدة التاريخي: مركز التجارة والحياة
اشتهرت جدة قديمًا بأسواقها ومحلاتها الشعبية التي كانت وجهة لسكان المنطقة لتلبية احتياجاتهم.
أشهر أسواق جدة التاريخية
- سوق البدو: يقع شرقي مدينة جدة، وكان أغلب أصحاب المحلات من حضرموت ونجد. سُمي بسوق البدو لأن أغلب زبائنه من سكان البادية، وكان يبيع الحبوب والبهارات والأقمشة.
- سوق الندى: يقع بين زاوية الحضارم ومسجد الباشا، ويشتهر بالمقاهي.
- سوق العلوي: يقع بين شارع قابل وسوق البدو وباب مكة، ويشتهر ببيع الحبوب والتوابل والملابس.
- سوق الحراج: يشتهر ببيع الأشياء القديمة والتحف في المزاد العلني.
- سوق الصاغة: يتخصص في بيع وشراء الذهب والفضة والأحجار الكريمة، ويزدهر في مواسم الحج والعمرة.
- سوق الفحم والحطب: كان يوفر الفحم والحطب، وهما المصدران الرئيسيان للطاقة في الماضي.
- سوق النورية: يقع في نهاية شارع قابل، ويتخصص في بيع اللحوم والخضروات.
توجد أسواق أخرى مثل سوق السمك، وسوق الخاسكية، وسوق الجامع، وسوق الحبابة، وسوق العصر، وسوق البراغية، وسوق السبحية.
الحرف اليدوية في جدة التاريخية
تعتبر الحرف اليدوية جزءًا هامًا من تراث جدة التاريخية. من أبرز هذه الحرف:
المنتجات الخشبية
اشتهرت جدة بصناعة الكراسي الخشبية من الأعسف والخيزران، والصناعات الخوصية مثل الحصير والمطارح والزنابيل والمكانس والمراوح. بالإضافة إلى ذلك، اشتهرت بصناعة الأبواب والشبابيك والروشان القديم والزينة الخارجية للمنازل.
توجد في جدة متاجر حديثة تصنع المنتجات الخشبية مثل الهدايا التذكارية والدروع والمنتجات المكتبية والديكور المنزلي.
وفي النهاية:
تظل جدة بتاريخها العريق ومعالمها الأصيلة، شاهدة على حضارة عريقة وتراث غني. فهل ستستمر هذه المدينة في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي، وهل ستنجح في دمجه مع التطورات الحديثة؟











