الاستراتيجية الوطنية للجودة: رؤية متكاملة نحو التميز المؤسسي في المملكة
تُعتبر الاستراتيجية الوطنية للجودة بمثابة حجر الزاوية ومنظور شامل للجودة والتميز المؤسسي في مختلف القطاعات بالمملكة العربية السعودية. إنها رؤية مستقبلية تتماشى مع رؤية السعودية 2030، وقد تم إطلاقها وتطويرها من قبل الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة. تمثل هذه الاستراتيجية إطارًا وطنيًا وخطة عمل مستقبلية لتطبيق مفاهيم الجودة والتميز المؤسسي في جميع أنحاء المملكة.
الاستراتيجية الوطنية للجودة وتنافسية المنتجات
تهدف الاستراتيجية الوطنية للجودة إلى إحداث تحولات جذرية في تنافسية المنتجات والخدمات السعودية، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030. تسعى الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة من خلال هذه الاستراتيجية إلى دعم وتمكين تحقيق البرامج الوطنية، والمساهمة الفعالة في تحقيق النتائج المرجوة، وتعزيز مكانة المملكة على الصعيد العالمي.
تعمل الاستراتيجية على تعزيز القدرات التنافسية للمملكة في مختلف المجالات، وتساهم في بناء وتطوير الأداء المؤسسي للقطاعات الرئيسية، بالإضافة إلى رفع مستوى جودة المنتجات والخدمات الوطنية وتعزيز قدرتها التنافسية. كما تتيح لجميع قطاعات الأعمال النمو بشكل منظم ودقيق، مما يضيف قيمة كبيرة للناتج الوطني الإجمالي والمحلي.
الرؤية المستقبلية للاستراتيجية الوطنية للجودة
في إطار الجهود المبذولة لرفع مستوى جودة الخدمات والمنتجات السعودية وفقًا لأفضل المعايير الدولية، تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للجودة في عام 1434هـ/2014م، حاملةً رؤية طموحة: أن تكون السعودية بمنتجاتها وخدماتها معيارًا عالميًا للجودة والإتقان بحلول عام 2020.
أهداف الاستراتيجية الوطنية للجودة
تعمل الاستراتيجية الوطنية للجودة على تحقيق مجموعة من الأهداف التي تدعم النمو والتطور في المملكة، وتشمل 22 هدفًا استراتيجيًا، بالإضافة إلى 56 مبادرة استراتيجية و157 مؤشرًا لقياس الأداء.
وتشمل الأهداف الرئيسية:
- تطوير إطار مرجعي وطني يتوافق مع المعايير الدولية الموحدة، لتحقيق رؤية وأهداف متسقة لجودة الخدمات والمنتجات، وذلك تماشيًا مع رؤية السعودية 2030.
- تطوير البنية التحتية الوطنية للجودة في المملكة.
- دعم الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار، وتعزيز التنافسية بين المنشآت السعودية لتحقيق ازدهار اقتصادي.
- نشر ثقافة الجودة وتطبيقاتها في جميع قطاعات الأعمال والمجتمع، وتحقيق أعلى مستويات الجودة والتميز في الخدمات والمنتجات الوطنية، بما يسهم في تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030.
توفر الاستراتيجية الوطنية للجودة العديد من المزايا والقدرات التي تعزز مستويات الخدمات والمنتجات السعودية، حيث تهدف إلى رفع إنتاجية المنشآت المحلية ودعم نمو المبادرات الوطنية، والإسهام في زيادة الناتج الوطني. كما تسهم في تحسين القدرة التنافسية للمنشآت الوطنية من خلال جودة المنتجات، وتبني وتحقيق التميز المؤسسي، وتقدم المملكة في مؤشرات المنافسة، ومؤشر المنافسة الصناعية العالمية.
مواءمة الاستراتيجية الوطنية للجودة مع رؤية السعودية 2030
في إطار توسيع نطاق الاستراتيجية وتحقيق مستهدفاتها على المستوى الوطني، أطلقت الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة في عام 1439هـ/2018م مشروع المواءمة بين الاستراتيجية الوطنية للجودة ورؤية السعودية 2030. جاء ذلك استكمالًا للمرحلة الأولى من مشروع الاستراتيجية الوطنية للجودة، وتماشيًا مع ما تضمنته رؤية السعودية من برامج ومبادرات وطنية تستهدف الارتقاء بجودة كافة خدمات ومنتجات المملكة.
تمثل الاستراتيجية الوطنية للجودة نقطة ارتكاز لتطوير القدرات التنافسية للمملكة، وهي نتاج جهود علمية متخصصة، إذ كانت أحد أبرز مخرجات المؤتمر الوطني الرابع للجودة، وترتكز بشكل أساسي على الرؤية الوطنية للجودة بأن تكون السعودية بخدماتها ومنتجاتها معيارًا عالميًا للجودة والإتقان.
مبادرات الاستراتيجية الوطنية للجودة
أطلقت الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة عددًا من المبادرات الوطنية للجودة، تمثلت في إطلاق برنامج وطني يستهدف جذب واستقطاب الشباب في مجال الجودة، وإطلاق برنامج وطني شامل للرخص المهنية في مجال الجودة، وتشجيع إنشاء إدارة الجودة والتميز المؤسسي في جميع قطاعات الأعمال لتحقيق الاستراتيجية الوطنية.
كما أطلقت الهيئة عددًا من المبادرات التي تسهم في تنفيذ الاستراتيجية بكفاءة تتوافق مع مستهدفات السعودية في مجال التنافسية، وتشمل تلك المبادرات: مبادرة إطلاق برنامج وطني شامل للرخص المهنية في مجال الجودة والتميز المؤسسي يهدف إلى تنظيم سوق العمل في السعودية من خلال إعداد منظومة متنوعة من الرخص المهنية في مجالات الجودة.
وتتضمن المبادرات الداعمة كذلك مبادرة تشجيع إنشاء إدارات للجودة والتميز المؤسسي في جميع قطاعات الأعمال، وتهدف إلى إعداد دليل إرشادي يشمل القواعد والاشتراطات المطلوبة لإنشاء إدارات للجودة في المنظمات، التي من شأنها تحقيق إحدى مبادرات الاستراتيجية الوطنية للجودة، وذلك بهدف تشجيع إنشاء إدارات للجودة والتميز المؤسسي في جميع قطاعات الأعمال لتطبيق الاستراتيجية الوطنية للجودة بأهدافها ومبادراتها.
وفي هذا الإطار جاءت صياغة الدليل الإرشادي لإنشاء إدارات الجودة كتطبيق تجريبي مع المديرية العامة للسجون فرع منطقة جازان، وكذلك المديرية العامة للشرطة بمنطقة عسير.
وتشمل مبادرات الاستراتيجية الوطنية للجودة أيضًا مبادرة إطلاق برنامج وطني يستهدف جذب واستقطاب الشباب في مجال الجودة، باسم البرنامج الوطني لسفراء الجودة، وتهدف المبادرة إلى تبني مشروع لسفراء الجودة وإعداد برنامج يهدف لجذب الشباب وتقوية دورهم في تعزيز ممارسات الجودة في مختلف قطاعات الأعمال.
ومن ضمن المبادرات كذلك مبادرة استحداث وظائف ومسارات وظيفية في مجالات الجودة في القطاعات المتعددة، وتهدف إلى إعداد دراسة لحصر المسارات الوظيفية الحالية، وبناء المسارات المهنية المستقبلية في مجال الجودة في القطاعات المختلفة ودراستها وتصنيفها، وإعداد مسودة للمسارات المهنية الحالية، وتقديم اقتراح بالمسارات المستقبلية في مجال الجودة والتميز المؤسسي.
وسعيًا لدعم المنتجين وتطوير قدراتهم الإنتاجية، أطلقت مبادرة تنفيذ برامج تعريفية وتأهيلية لتطبيق نماذج التميز في المنتج، وتأهيل مقيِّمين معتمدين لنماذج التميز، وجرى التطبيق التجريبي لنموذج التميز في المنتج مع مجموعة العبيكان الصناعية، إضافةً إلى مبادرة تنفيذ برامج تعريفية وتأهيلية لتطبيق نماذج التميز في الخدمة، وتأهيل مقيِّمين معتمدين لنماذج التميز، وكذلك التطبيق التجريبي لنموذج التميز في الخدمة مع وزارة الصحة (خدمة 937)، وأنهى المشروع مرحلة التقييم الداخلي للنموذج، وأجرى المكتب التنفيذي عملية التقييم الخارجي في شهر أبريل 2021م، حسب خطة المشروع.
وفي إطار مزيد من التجارب العملية، أُجرى التطبيق التجريبي لنموذج التميز في الخدمة مع الإدارة العامة لمنح الشهادات – علامة الجودة، وانتهى الفريق من مرحلة التقييم الداخلي للنموذج، ونفّذ مقيِّمو المكتب التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للجودة التقييم الخارجي لإدارة علامة الجودة في شهر يونيو 2021م.
برامج نقل المعرفة في مجال الجودة
تشمل مبادرات تعزيز الاستراتيجية الوطنية للجودة، مبادرة تنفيذ برامج اعتماد وتنفيذ برامج نقل المعرفة وتبادل أفضل الممارسات الدولية في مجال الجودة والتميز المؤسسي، ومن مشاريع هذه المبادرة نقل المعرفة في مجال الجودة بترجمة الكتب المهمة في مجالات الجودة لخدمة المجتمع وإثراء المعرفة بالجودة في السعودية، دعمًا لنشر المعرفة وثقافة الجودة في جميع القطاعات المستهدفة (الصناعة، والصحة، والتعليم، والخدمات، والمجتمع المدني).
وهناك أيضًا مبادرة تأسيس مجلس تنسيقي لجوائز وبرامج الجودة والتميز المؤسسي في السعودية، وتهدف إلى إنشاء مظلة موحدة لجميع جوائز وبرامج الجودة والتميز المؤسسي، وإيجاد آلية عمل مشتركة بين الجهات لتنفيذ برامج ومبادرات رؤية السعودية 2030 في برامج الجودة والتميّز المؤسسي.
وتتوسع مبادرات الاستراتيجية لتغطي نطاقات أكبر، إذ تُسهم مبادرة عقد الشراكات المحلية والدولية مع الجمعيات والمعاهد ومراكز الأبحاث العلمية والمهنية في مجال الجودة والتميز المؤسسي في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للجودة، وتهدف هذه المبادرة إلى إنشاء قاعدة بيانات كبيرة من خلال عقد الشراكات مع أصحاب المصلحة داخليًّا وخارجيًّا، مع التركيز على المجتمع المدني، من أجل رفع مستوى الجودة والتميز المؤسسي في هذا القطاع الحيوي.
النماذج التطبيقية للاستراتيجية الوطنية للجودة
في إطار تفعيل الاستراتيجية الوطنية للجودة، بدأت وزارة الصحة بالتعاون مع الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة في تطبيق نموذج التميز في الخدمة بمركز 937 في ديسمبر 2022. يُعد هذا المركز نموذجًا تطبيقيًا بارزًا يساعد القطاعات الإنتاجية والخدمية المختلفة في المملكة على تحقيق أحد الأهداف الرئيسة للاستراتيجية، وتحديدًا الهدف الرابع الذي ينص على تحقيق أعلى مستويات الجودة والتميز في الخدمات والمنتجات الوطنية بجميع القطاعات المستهدفة، بما يحقق رضا وتطلعات المستفيدين ويسهم في تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030.
يهدف تطبيق هذا النموذج إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة وتحسين تجربة المستفيدين، وتعتبر وزارة الصحة أول قطاع حكومي يقوم بتطبيق نموذج التميز في الخدمة، حيث بادر مركز 937 بتطبيق هذا النموذج، ثم التدريب على منهجية التقييم العلمية، وتأهيل مقيمين داخليين للتميز في الخدمات. ويعد نموذج التميز في الخدمة أحد مخرجات الاستراتيجية الوطنية للجودة.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
تبرز الاستراتيجية الوطنية للجودة كركيزة أساسية نحو تحقيق التميز المؤسسي ورفع مستوى التنافسية في المملكة العربية السعودية، وذلك من خلال مجموعة متكاملة من الأهداف والمبادرات التي تتماشى مع رؤية السعودية 2030. يبقى السؤال: كيف يمكن لهذه الاستراتيجية أن تتطور لتواكب التحديات المستقبلية وتضمن استدامة الجودة والتميز في جميع القطاعات؟











