تطوير الخطوط الحديدية في السعودية: نظرة شاملة على مسيرة “سار”
في قلب التطورات المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، تبرز الخطوط الحديدية السعودية (سار) كشريان حيوي يربط المدن والموانئ، ويعزز من مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي. تأسست “سار” لتكون المحرك الرئيسي لقطاع النقل بالسكك الحديدية، وتطورت لتشمل شبكات واسعة وخدمات متكاملة، وفي هذا المقال، نتتبع مسيرة هذه الشركة الوطنية، بدءًا من التأسيس وصولًا إلى أحدث التطورات والمشاريع المستقبلية، وذلك وفق رؤية “بوابة السعودية” وتحليل سمير البوشي.
تأسيس الشركة السعودية للخطوط الحديدية “سار”
تأسست الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار) في عام 1427هـ الموافق 2006م، وهي مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة. وقد أُنشئت الشركة لتتولى مسؤولية إدارة وتشغيل شبكات الخطوط الحديدية في المملكة، بدءًا من تنفيذ مشروع قطار الشمال الذي يمتد بطول 2750 كيلومترًا، وبتكلفة تقدر بنحو 10 مليارات ريال سعودي.
إلغاء المؤسسة العامة للخطوط الحديدية
في خطوة مهمة نحو تطوير قطاع النقل، أصدر مجلس الوزراء السعودي في فبراير 2021م قرارًا بإلغاء المؤسسة العامة للخطوط الحديدية ونظامها. وبموجب هذا القرار، حلت الشركة السعودية للخطوط الحديدية “سار” محل المؤسسة العامة، وذلك اعتبارًا من 1 أبريل 2021م، لتصبح “سار” الكيان المسؤول عن تطوير وتشغيل الخطوط الحديدية في السعودية.
نشأة السكك الحديدية وتطور “سار”
تعود بدايات السكك الحديدية في المملكة إلى عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي أمر بإنشاء خط حديدي يربط ميناء الدمام بالرياض، وتم تدشينه في عام 1371هـ الموافق 1951م. وظلت السكة الحديد تعمل تحت إشراف شركة أرامكو لفترة، ثم أصبحت تابعة لوزارة المالية تحت مسمى “مصلحة السكة الحديد”. وفي عام 1386هـ الموافق 1966م، صدر مرسوم ملكي بالموافقة على النظام التأسيسي للمؤسسة العامة للخطوط الحديدية، وتحولت السكة الحديد إلى مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية.
إنشاء وافتتاح الميناء الجاف بالرياض
في عام 1401هـ الموافق 1981م، ظهرت فكرة إنشاء الميناء الجاف بالرياض، وذلك نتيجة للزيادة الكبيرة في واردات ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام بعد عام 1395هـ الموافق 1975م، مما أدى إلى ازدحام شديد على الطرق بين الدمام والرياض. وقد شهد الميناء الجاف نموًا كبيرًا في أعداد الحاويات الواردة، وزاد الإقبال على خدماته بفضل التكلفة المناسبة والسرعة في الأداء وسهولة الإجراءات.
تطور حجم النقل عبر الميناء الجاف
تضاعف حجم النقل عبر الميناء الجاف عدة مرات منذ بدء تشغيله، ففي عام 1401هـ الموافق 1981م، بلغ حجم النقل حوالي 21,000 حاوية نمطية بالاتجاهين، بينما تجاوز 318,000 حاوية قياسية في عام 1427هـ الموافق 2006م.
شبكات السكك الحديدية في السعودية التي تديرها “سار”
تمتلك “سار” ثلاث شبكات رئيسية هي: شبكات الشمال، والشرق، وقطار الحرمين السريع، بالإضافة إلى إدارتها جميع العمليات التشغيلية لقطار المشاعر المقدسة، بمجموع أطوال يزيد على 5,380 كم.
المرافق والخدمات التي تقدمها “سار”
تخدم الخطوط الحديدية التي تشغلها “سار” خمسة موانئ، هي ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام، والميناء الجاف بالرياض، وميناء رأس الخير، واثنان في مدينة الجبيل، بالإضافة إلى اثنين من المناجم. كما تشمل شبكات “سار” 15 محطة للركاب و8 ورش للصيانة و15 ساحة للمناورة، وتشغل 220 قطارًا للركاب والشحن.
تفاصيل شبكات وخطوط “سار”
قطار الشمال
يعتبر قطار الشمال أطول خط متكامل في العالم يستخدم نظام الإشارات والاتصالات الأوروبي المتقدم المستوى الثاني (ETCSL2). يبلغ طول شبكة قطار الشمال 2,750 كم، منها 1,250 كم لخط الركاب الذي ينطلق من الرياض باتجاه القريات مرورًا بالمجمعة والقصيم وحائل والجوف، و1,550 كم لقطار الشمال للشحن الذي يمتد من حزم الجلاميد مرورًا بالجوف وحائل وصولاً إلى تقاطع البعثية في القصيم، ثم يتجه نحو منشآت التجهيز والتصدير في رأس الخير بالمنطقة الشرقية.
أسطول قطار الشمال
يضم أسطول قطار الشمال للركاب ستة قطارات، أربعة نهارية واثنين ليلية، وهي قطارات ثنائية الاتجاه تتكون من مقطورتين و8 عربات للركاب، وتبلغ سرعة القطار 200 كم في الساعة.
قطار الشرق
يعمل قطار الشرق على خط مزدوج للركاب يبلغ طوله 733 كم ويربط الرياض بالدمام مرورًا بالأحساء وبقيق، وخط الشرق للشحن بطول 550 كم يربط ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام بالميناء الجاف في الرياض مرورًا بالأحساء وبقيق والخرج وحرض والتوضيحية.
أسطول قطار الشرق
يتكون أسطول قطار الشرق من 22 قطارًا منها 12 طقم قطارات حديثة و10 أطقم كلاسيكية تنقل الركاب بين الرياض والدمام مرورًا ببقيق والهفوف وتبلغ سرعتها القصوى 180 كم في الساعة.
قطار الحرمين السريع
يربط قطار الحرمين السريع، الذي يُعد واحدًا من أسرع 10 قطارات كهربائية في العالم، بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورًا بجدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، وذلك بخطوط يبلغ طولها 449 كم، وتصل سرعته إلى 300 كم في الساعة.
أسطول قطار الحرمين السريع
يضم قطار الحرمين السريع 35 قطارًا، بسعة مقاعد تبلغ 417 مقعدًا للركاب في القطار الواحد، وبسرعة تصل إلى 300 كم في الساعة.
قطار المشاعر المقدسة
ينتقل قطار المشاعر المقدسة، الذي تأسس في عام 2009م ويضم في أسطوله 18 قطارًا تسير بسرعة 80 كم في الساعة، بين مشعر منى ومشعر مزدلفة ومشعر عرفات ويخدم حجاج بيت الله الحرام.
الاستراتيجية الوطنية للنقل ودورها في تطوير الخطوط الحديدية
تهدف الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية إلى تطوير قطاع الخطوط الحديدية، وذلك ضمن المشاريع التي تعمل عليها منظومة النقل والخدمات اللوجستية لتحسين كفاءة الخطوط الحديدية، وتحقيق التكامل بين شبكاتها وكافة أنماط النقل في المملكة، ويبلغ إجمالي أطوال الشبكة 5,330 كم، تنقل قرابة 3 ملايين مسافر سنويا.
مشاركة “سار” في المؤتمرات الدولية
شاركت “سار” في المؤتمر الدولي لتكنولوجيا صناعة النقل بالخطوط الحديدية Innotrans في برلين (ألمانيا)، في سبتمبر 2022، وتم توقيع 10 اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم بهدف تبني نماذج وشراكات مختلفة تسهم في تطوير عملياتها، وذلك سعيًا لتحقيق مستهدفات من بينها: توقيع مذكرة تفاهم مع شركة نوكيا لبحث سبل التحول الرقمي للخطوط الحديدية وأنظمة الاتصالات، وتعزيز الاستفادة من أصول البنية التحتية، إضافة إلى التوقيع على مذكرة تفاهم مع International Union of Railways بهدف تأسيس فريق عمل للتعاون في مجال الدراسات والأبحاث ومشاركة الخبرات الهندسية بين الفريقين، ولتعزيز التطور المستدام لقطع غيار الحاويات وقعت سار وشركة بروجرس ريل مذكرة تفاهم لنقل المعرفة للكادر الوطني من خلال الخبرات العالمية في قطاع الخطوط الحديدية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
في الختام، تجسد الخطوط الحديدية السعودية (سار) قصة نجاح طموحة، بدأت برؤية مستقبلية وتطورت لتصبح واقعًا ملموسًا يساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة. من خلال شبكاتها المتنوعة وخدماتها المتكاملة، تربط “سار” المناطق والمدن، وتسهل حركة البضائع والركاب، وتعزز من مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي. ومع استمرار التطورات والمشاريع المستقبلية، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف ستستمر “سار” في تحقيق المزيد من الإنجازات والابتكارات في قطاع النقل بالسكك الحديدية، وما هو الدور الذي ستلعبه في تحقيق رؤية المملكة 2030؟











