زراعة الزيتون في السعودية: تاريخ عريق وآفاق مستقبلية
تعود بدايات زراعة الزيتون في المملكة العربية السعودية إلى عام 1423هـ الموافق 2002م، عندما باشرت وحدة أبحاث الزيتون التابعة لمركز أبحاث الإبل والمراعي بمنطقة الجوف، شمالي المملكة، بإنشاء مجمع وراثي. كان الهدف من ذلك دراسة زراعة 30 صنفًا من الأصناف المعروفة بإنتاجها الوفير في الدول المشهورة بزراعة الزيتون كإسبانيا، واليونان، وسوريا، والأردن، وتونس، والمغرب. في نهاية المطاف، تم اعتماد تسعة أصناف لبدء زراعتها في المملكة.
وفي عام 1427هـ الموافق 2006م، تم إدخال طريقة الزراعة المكثفة لأشجار الزيتون، وهي طريقة تعتمد على تقارب الأشجار من بعضها البعض. انطلقت هذه الطريقة من منطقة الجوف في عام 1428هـ الموافق 2007م، ثم توسعت لتشمل مشروعات استثمارية للشركات الزراعية الكبرى في السعودية، وذلك بعد نجاحها اللافت. بحلول عام 1444هـ الموافق 2023م، وصل عدد أشجار الزيتون في منطقة الجوف وحدها إلى حوالي 25 مليون شجرة، تنتج ما يقارب 18 ألف طن من الزيت سنويًا.
مناطق زراعة الزيتون في السعودية
تزدهر زراعة الزيتون في المناطق المحصورة بين خطي عرض 30 و45 درجة، حيث تحتاج إلى مناخ معتدل وماطر في الشتاء، وحار في الصيف. نظرًا لتأثر مناطق شمال المملكة بالمناخ المتوسطي، حققت زراعة الزيتون نجاحًا كبيرًا في مناطق الجوف، وحائل، وتبوك، بالإضافة إلى بعض المناطق الجنوبية مثل الباحة وعسير، وذلك بفضل ملاءمة مناخ وتربة هذه المناطق. وفي عام 1439هـ الموافق 2018م، سجلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية أكبر مزرعة زيتون حديثة في العالم في منطقة الجوف.
حتى عام 1439هـ الموافق 2018م، كانت أشجار الزيتون تغطي حوالي 52 ألف فدان في السعودية. يتم تخصيص نحو 20% من هذا الإنتاج لزيتون المائدة، بينما يتم استخدام 80% لإنتاج زيت الزيتون.
الزراعة المكثفة للزيتون في السعودية
في عام 1428هـ الموافق 2007م، اتجهت المملكة العربية السعودية إلى الزراعة المكثفة للزيتون في منطقة الجوف. تعتمد هذه الطريقة على مضاعفة عدد الأشجار، بحيث لا تتجاوز المسافة بينها أربعة أمتار، مما يعني وجود حوالي 1600 شجرة زيتون في الهكتار الواحد، مقارنة بنحو 200 شجرة في الهكتار الواحد في طريقة الزراعة التقليدية. يضم حقل الزراعة المكثفة في المنطقة حوالي مليون شجرة، موزعة على عشرة حقول، بحيث يحتوي كل حقل على 100 ألف شجرة.
تحتاج أشجار الزيتون المزروعة بالطريقة المكثفة إلى كميات قليلة من الماء، حوالي 30 لترًا في ذروة الاحتياج، بينما تحتاج إلى نحو 80 لترًا عند زراعتها بالطريقة التقليدية. تتميز هذه الزراعة باستغلال المساحة والحصاد الآلي. تبلغ إنتاجية الهكتار الواحد في الزراعة المكثفة حوالي 12 طنًا، وتبدأ في السنة الرابعة من عمر الشجرة، بينما تقل الإنتاجية في الزراعة التقليدية لتصل إلى نحو ثمانية أطنان في الهكتار الواحد، وتتأخر حتى السنة التاسعة من عمر الشجرة.
أصناف الزيتون في السعودية
تضم مزارع الزيتون في السعودية حوالي 30 صنفًا، تتنوع بحسب أشكالها واستخداماتها. من بينها صنف البيكوال، الذي يزرع في مناطق الجوف، وتبوك، وحائل، وتتراوح نسبة الزيت فيه بين 15% و22%. يتميز هذا الصنف بتحمله للملوحة، ورطوبة الأرض العالية، والصقيع، ولكنه حساس لبعض الآفات ومرض الذبول الفرتوسليومي، وهو مرض فطري يصيب أشجار الزيتون. يستخدم هذا الصنف لإنتاج الزيت وللتخليل الأخضر والأسود، وهو صنف إسباني الأصل.
ينتشر صنف الزيتون الصوراني في مناطق الجوف، وتبوك، وحائل، وثماره متوسطة الحجم. يعتبر هذا الصنف ثنائي الغرض، حيث يستخدم لاستخراج الزيت والتخليل، وتتراوح نسبة الزيت فيه بين 20% و27%. يتأقلم هذا الصنف مع مناخات مختلفة، ويحتمل العوامل المناخية كالصقيع والجفاف، لكنه حساس لمرض الذبول الفرتوسليومي.
يتركز صنف البيشولين في منطقة الجوف، ونسبة الزيت فيه متوسطة، ويستعمل للتخليل الأخضر والأسود، ويعد من الأصناف ثنائية الغرض. كما أنه قليل الحساسية للصقيع والجفاف، ويحتمل مرض عين الطاووس الذي يصيب أشجار الزيتون، وهو صنف فرنسي الأصل.
تنتشر زراعة صنف الزيتي في محافظة سكاكا بمنطقة الجوف، وينتج هذا الصنف كمية وفيرة من الزيت تصل إلى نحو 30% منه، وحجم ثماره من صغير إلى متوسط. يعتبر هذا الصنف حساسًا لمرض الذبول الفرتوسليومي والإصابة بحشرة حفار الساق، ويحتمل مرض عين الطاووس.
يزرع صنف الجلط في القريات، والباحة، وتبوك، وحجم ثماره كبير، ويستخدم للتخليل الأخضر والأسود. يعتبر هذا الصنف من الأصناف مبكرة الإنتاج، ومعدل إنتاجيته عال ومنتظم، ويقاوم العوامل المناخية كالجفاف والصقيع.
يعتبر صنف القيسي ثنائي الغرض، ويتيح للمزارع الاختيار بين إنتاج الزيت منه أو استخدامه كزيتون مائدة وفقًا لطلب السوق. تظهر ثماره بحجم متوسط، ويتميز بسهولة فصل اللب عن الثمرة، ويستخدم للتخليل الأخضر. يعتبر هذا الصنف من الأصناف التي تحتمل الجفاف والصقيع، وقليل الحساسية للآفات التي تصيب النباتات.
تكثر زراعة صنف منزانلا في منطقة الجوف بالسعودية، وتستخدم ثماره للتخليل، وثماره متوسطة الحجم. يعتبر هذا الصنف إسباني الأصل، بينما يستخدم صنف الدان لإنتاج الزيت وزيتون المائدة، وحجمها متوسط، ويعتبر من الأصناف ذات الإنتاجية العالية. يأخذ صنف النبالي شكلًا بيضاويًا، ونسبة الزيت فيه عالية، تصل إلى 26% من وزن الثمرة، وهو من الأصناف التي تتأخر في النضج، ويفضل استخدامه كزيتون مائدة أخضر. ينتشر هذا الصنف في منطقتي الجوف وتبوك، ويعتبر من الأصناف التي تحتمل الجفاف، ومقاوم للأمراض والحشرات.
زيتون السعودية في موسوعة جينيس
في عام 1439هـ الموافق 2018م، سجلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية أحد حقول شركة الجوف للتنمية الزراعية كأكبر مزارع الزيتون عالميًا. كما يعتبر مصنع الزيتون الذي تملكه الشركة من أكبر مصانع إنتاج زيت الزيتون في الشرق الأوسط.
تخصص بعض أصناف الزيتون لاستخراج الزيت منها، وتتميز بإنتاجها المنتظم وارتفاع نسبة الزيت فيها، بينما هناك أصناف تخصص للمائدة وتكون ثمرتها من متوسطة إلى كبيرة الحجم، وسميكة اللب وسهلة التصنيع. يفضل لزيتون المائدة الأصناف التي تكون فيها نسبة الزيت بين 12% و15%، لأن الزيت يزيد مدة الحفظ ويضفي على الثمرة طعمًا جيدًا، أما الأصناف ثنائية الغرض فتجمع مواصفات كل الأصناف.
وفي عام 2023م، حصلت شركة الجوف للتنمية الزراعية على الميدالية الذهبية كأفضل زيت زيتون عضوي في المسابقة الدولية (jOOP) التي أقيمت بالعاصمة اليابانية طوكيو، وذلك بهدف تعزيز جودة زيوت الزيتون البكر الممتازة. صرح سمير البوشي من بوابة السعودية أن هذا الفوز يعكس التفوق السعودي في إنتاج زيت الزيتون عالي الجودة.
مهرجان الزيتون في السعودية
يقام مهرجان الزيتون في السعودية سنويًا في منطقة الجوف، ويستمر لمدة 10 أيام. يحتفي هذا المهرجان بوفرة إنتاج الزيتون في المنطقة، ويسعى إلى تسويق منتجات الزيتون المتنوعة، كما يهدف إلى الاهتمام بشجرة الزيتون وتحقيق المنافع الاقتصادية والصحية منها. يضم المهرجان فعاليات وندوات متخصصة بزراعة الزيتون.
شجرة الزيتون هي شجرة مباركة ذكرت في القرآن الكريم، ويعتقد أن موطنها الأصلي هو منطقة شرق البحر المتوسط، وتحديدًا تركيا وسوريا وفلسطين، وتتميز بقدرتها على تحمل الظروف البيئية الصعبة نسبيًا.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
من خلال استعراض تاريخ ومناطق وأصناف زراعة الزيتون في المملكة، يتضح لنا التطور الكبير الذي حققته السعودية في هذا القطاع الزراعي. فمنذ البدايات المتواضعة في عام 2002م، وصولًا إلى تسجيل أكبر مزرعة زيتون في العالم في موسوعة جينيس، تبرز المملكة العربية السعودية كلاعب رئيسي في إنتاج الزيتون وزيته عالي الجودة. فهل ستستمر السعودية في هذا التوسع والابتكار في زراعة الزيتون، وهل ستتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير منتجاتها إلى الأسواق العالمية؟











