الاستراتيجية الوطنية للسكري: رؤية المملكة للوقاية والعلاج
أطلقت المملكة العربية السعودية، ممثلة في المركز الوطني للسكري التابع للمجلس الصحي السعودي، في عام 2020م، الاستراتيجية الوطنية للسكري، كمبادرة تهدف إلى مكافحة هذا الداء المزمن. تسعى الاستراتيجية إلى ترسيخ أسس علمية للتوعية والوقاية، ومراقبة وتقليل معدلات الإصابة، ووضع خطط علاجية شاملة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل المرضى بعد العلاج، مع متابعة دقيقة لتنفيذ الأهداف على مستوى البلاد.
جهود تأسيس الاستراتيجية الوطنية لمكافحة السكري
عقد المجلس الصحي السعودي قبل إطلاق الاستراتيجية ورشة عمل هامة، جمعت 52 ممثلًا من مختلف القطاعات الصحية و16 تخصصًا ذا صلة. هدفت الورشة إلى تحديد مبادرات وأهداف الاستراتيجية، بمشاركة فاعلة من جهات مثل: وزارة الصحة، ووزارة التعليم، والشؤون الصحية في وزارة الحرس الوطني، والخدمات الطبية في وزارة الداخلية والقوات المسلحة، إضافةً إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، والهيئة العامة للغذاء والدواء، ومجلس الضمان الصحي.
وقدّمت الورشة دراسة إحصائية شاملة حول عيادات ومراكز الرعاية الصحية التي تُعنى بمرضى السكري، سواء كانت رعاية أولية أو متخصصة، بهدف تقييم نقاط القوة والضعف في الخدمات المقدمة. كما سعت إلى بناء نظام إحصائي متكامل لمراكز ووحدات السكري، بما يضمن تحقيق الأهداف المنشودة للاستراتيجية.
مصادر الاستراتيجية الوطنية للسكري
اعتمد المركز الوطني للسكري في صياغة الاستراتيجية على مصادر متعددة لضمان شمولية البيانات، منها: برامج التحول الصحي لرؤية السعودية 2030، والدراسات والأبحاث المتعلقة بالسكري الصادرة عن جهات أكاديمية وصحية، بالإضافة إلى استشارة آراء الشركاء والاعتماد على التجارب العالمية الناجحة، وتقارير الشركاء السابقين وورش العمل ذات الصلة.
محتويات الاستراتيجية الوطنية للسكري
تشمل الاستراتيجية الوطنية للسكري مجموعة من العناصر الأساسية التي يسعى المجلس الصحي السعودي إلى تنظيمها والاستفادة منها، وتتضمن: جمع الإحصاءات والأرقام المتعلقة بمرض السكري في السعودية، وتحديد الأهداف الاستراتيجية للمركز، وتنظيم الخطوات العملية لتحقيق هذه الأهداف، ووضع أهداف تفصيلية لدعم تحقيق الأهداف العامة.
أهداف الاستراتيجية الوطنية للسكري
تهدف الاستراتيجية الوطنية للسكري إلى تحقيق عدة أهداف عامة، من بينها: تقييم آثار السكري على المجتمع ورصد معدلات الإصابة، وتطوير سياسات عامة لدعم برامج الوقاية والعلاج، وتطوير برامج الكشف المبكر عن النوع الثاني من السكري، والحد من التباين في مستويات الخدمة المقدمة للمرضى في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.
كما تهدف الاستراتيجية إلى تعزيز التعاون بين الجهات المعنية بالصحة العامة لنشر برامج دعم التواصل لتقليل الإصابة بالسكري، ورفع كفاءة التعاون بين الجهات الصحية ومقدمي الخدمات لتوفير رعاية طبية مناسبة، بالإضافة إلى نشر الوعي وتعزيز أنماط الحياة الصحية للوقاية من المرض.
سجل وطني لداء السكري
تتضمن الأهداف التفصيلية للاستراتيجية إنشاء سجل وطني للسكري متاح لجميع القطاعات الصحية، وإجراء أبحاث لتحديد نسبة الإصابة بالسكري في مختلف الفئات العمرية، وتحديد عوامل الخطر ونسبة الأشخاص في مرحلة ما قبل السكري، ووضع معايير قياسية لمراكز ووحدات وعيادات السكري، ونشرها وتطبيقها، إضافةً إلى رفع الوعي المجتمعي من خلال توحيد ومراقبة المحتوى الإعلامي لتعزيز ثقافة الأكل الصحي.
وتشمل الأهداف أيضًا تفعيل سياسات لتنظيم الإعلانات التجارية المتعلقة بالأطعمة والمشروبات التي تسبب السمنة والسكري، وإلزام صانعي الإعلانات بوضع نصائح وتحذيرات للتوعية بأهمية الطعام الصحي، ووضع رسائل تحفيزية في المناهج الدراسية، وتطوير معايير ولوائح تنظيمية لقوائم الأطعمة المسموح بها في المدارس والجامعات، وفرض رقابة صارمة وعقوبات على المخالفين، إضافةً إلى تحفيز المرضى على ممارسة الرياضة وإقامة ورش العمل التدريبية.
الكشف المبكر عن داء السكري
تتضمن الاستراتيجية الوطنية للسكري أهدافًا تفصيلية أخرى، مثل: وضع آليات للكشف المبكر عن داء السكري وتحديد عوامل الخطر، وتوفير خدمات عامة وبيئة تشجع على نمط الحياة الصحي، وإنشاء شبكة السكري السعودية لرفع كفاءة الرعاية الطبية، وجمع مديري مراكز السكري على المستوى الوطني لتبادل الخبرات، وتأسيس صندوق لدعم الأنشطة التثقيفية والتوعوية، وعقد مؤتمر بالتزامن مع اليوم العالمي للسكري، وإنشاء مواعيد وطنية مجدولة للتوعية بالسكري ومخاطره، ومشاركة المعلومات مع القطاعات الصحية.
إحصاءات الاستراتيجية الوطنية لداء السكري
تضمنت الاستراتيجية الوطنية للسكري أبحاثًا ودراسات إحصائية حول أنواع داء السكري ونسبة انتشارها في السعودية، وأعداد المصابين نتيجة مضاعفات المرض، والتكاليف المالية المتوقعة للوقاية والعلاج، والآثار الاجتماعية والاقتصادية للمرض على الفرد والمجتمع.
ويُعد داء السكري من النوع الثاني من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا في السعودية، وقد تجاوز عدد المصابين به في عام 2022م مليوني مصاب، ومثلهم ممن هم في مرحلة ما قبل السكر، مع زيادة سنوية تقدر بنحو 1%. وتحتل السعودية مرتبة متقدمة في معدلات الإصابة بالنوع الأول من السكري بين الأطفال واليافعين تحت سن العشرين.
وتشير الأبحاث والدراسات إلى أن نسبة المصابين بالسكري من المواطنين المقيمين في السعودية تبلغ حوالي 51% من كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا، بمعدل انتشار يبلغ حوالي 13.4%. وتصل نسبة المصابين ممن لديهم مستويات مضبوطة من السكر إلى حوالي 31.6%، في حين أن 43.6% ممن خضعوا للفحوصات التشخيصية لم يعلموا بإصابتهم بالسكري، وكشفت الدراسات أيضًا أن نسبة 15.2% من السعوديين في مرحلة ما قبل السكري.
وكشفت دراسات أخرى عن نسب الإصابة بمضاعفات داء السكري، وتشمل: الاعتلال العصبي بنسبة 82% من المصابين، واعتلال الشبكية 31%، واعتلال الكلية 32%، ومضاعفات القدم 3.30%، والتي تشمل قرح قدم داء السكري بنسبة 2.05%، وبتر الأطراف 1.06%، إضافةً إلى الغرغرينا بنسبة 0.19% من المصابين.
ووفقًا لبيانات الاتحاد العالمي للسكري في عام 2015م، فإن تكلفة علاج داء السكري في السعودية تبلغ 24 مليار ريال، ومن المتوقع أن تصل إلى حوالي 40 مليار ريال بحلول عام 2045م.
الأدلة الإرشادية الوطنية للممارسة السريرية لداء السكري
أطلق المجلس الصحي السعودي في عام 2021م الأدلة الإرشادية الوطنية للممارسة السريرية لداء السكري، لتكون مرجعًا وطنيًّا للممارسات السريرية المتعلقة بالسكري، ومرجعًا لمستهدفات التحكم في مستويات سكر الدم، بهدف تحسين سلامة المرضى. وتستهدف الأدلة الممارسين الصحيين في القطاعات الحكومية والخاصة، وتهدف إلى تحسين جودة الرعاية الصحية لمصابي السكري، وتناولت جوانب مختلفة للمرض، مثل: الوقاية، والكشف المبكر، والمضاعفات، والمسارات السريرية.
برنامج داء السكري التدريبي الوطني
أطلق المركز الوطني للسكري في عام 2023م برنامج داء السكري التدريبي الوطني لأطباء الرعاية الصحية الأولية في السعودية، ضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة داء السكري. يهدف البرنامج إلى تدريب الأطباء على إدارة مرض السكري والوقاية منه، وتعزيز المعرفة والمهارات للممارسين الصحيين للجوانب الرئيسة للمرض وكيفية إدارة مضاعفاته.
وطور المركز الوطني للسكري المادة العلمية المقدمة في البرنامج بالتعاون مع الجمعية الأمريكية للسكري (ADA)، لتوفير معلومات شاملة عن إدارة داء السكري، بما يتماشى مع الأدلة الإرشادية السريرية، إضافة إلى محتوى علمي متخصص، مثل: داء السكري في رمضان، وفي الحج والعمرة.
ويتكون البرنامج التدريبي من ثلاثة محاور، تشمل: داء السكري وكيفية إدارته وعلاجه، وإدارة داء السكري في فئات وحالات خاصة مثل: السكري والحمل، السكري وكبار السن، السكري ورمضان، ومضاعفات داء السكري وكيفية إدارتها وعلاجها.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
في نهاية المطاف، تُعد الاستراتيجية الوطنية للسكري في المملكة العربية السعودية، بقيادة المركز الوطني للسكري، خطوة محورية نحو تعزيز الصحة العامة ومكافحة هذا المرض المزمن. من خلال الجمع بين التوعية، والوقاية، والعلاج المتقدم، تسعى المملكة إلى تقليل معدلات الإصابة وتحسين نوعية حياة المصابين. ولكن، هل ستنجح هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها الطموحة على أرض الواقع، وما هي التحديات التي قد تعترض طريقها؟











