إعادة التدوير في السعودية: نحو مستقبل مستدام
إعادة التدوير في السعودية تمثل تحويل النفايات إلى موارد قيمة، وهي عملية حيوية تهدف إلى استعادة المواد القابلة للاستخدام وتقليل الاعتماد على المواد الخام الجديدة. لا تقتصر أهمية هذه العملية على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، حيث تسهم في توفير الطاقة والموارد، وتعزيز الاقتصاد الدائري المستدام. وقد أولت المملكة العربية السعودية اهتمامًا بالغًا بهذا المجال، من خلال إطلاق العديد من البرامج والمبادرات التي تهدف إلى تطوير قطاع إعادة التدوير وتعزيز دوره في تحقيق التنمية المستدامة.
جهود السعودية في إدارة النفايات
خصصت السعودية العديد من البرامج والمبادرات لإعادة استخدام وتدوير النفايات، إذ وضعت نظام إدارة النفايات البلدية الصلبة، والذي حل محله نظام إدارة النفايات، كما عملت مع دول الخليج لوضع النظام الموحد لإدارة نفايات الرعاية الصحية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
نظام إدارة النفايات البلدية الصلبة
في فترة مبكرة من ظهور منظومات إعادة التدوير، تعاملت السعودية بمنهج علمي في استثمار النفايات، حيث وضعت نظام إدارة النفايات البلدية الصلبة في عام 1434هـ/2013م، الذي عرَّف إعادة التدوير بأنها عملية تهيئة مواد النفايات البلدية الصلبة، من أجل استرجاعها، أو إعادة استخدامها مواد خام أولية في عمليات التصنيع. وهدف ذلك النظام إلى وضع إطار عمل متكامل لإدارة النفايات البلدية الصلبة.
حتى عام 1439هـ/2017م، كانت السعودية تعمل على إعادة تدوير نحو 10% فقط من المواد القابلة لإعادة التدوير، في حين تبلغ كمية المواد القابلة لإعادة التدوير في السعودية سنويًّا نحو 50 مليون طن، ويمكن إعادة التدوير والاستفادة مما يصل إلى 85% منها بغرض الحصول على مصدر للطاقة البديلة ومواد خام تدخل في عمليات التصنيع.
نظام إدارة النفايات
في عام 1443هـ/2021م، صدر نظام إدارة النفايات ليحل محل نظام إدارة النفايات البلدية الصلبة، بهدف تنظيم أنشطة جمع النفايات ونقلها وفرزها وتخزينها واستيرادها وتصديرها ومعالجتها والتخلص الآمن منها، بما في ذلك العناية اللاحقة بمواقع التخلص من النفايات. عرّف النظام إدارة النفايات بأنها تنظيم أي نشاط أو ممارسة تتعلق بالنفايات من جمع ونقل وفرز وتخزين ومعالجة وتدوير واستيراد وتصدير والتخلص الآمن، بما في ذلك العناية اللاحقة بمواقع التخلص من النفايات.
المركز الوطني لإدارة النفايات
في خطوة متقدمة للاستفادة من النفايات وحماية البيئة، تم تأسيس المركز الوطني لإدارة النفايات بموجب قرار مجلس الوزراء في عام 1440هـ، بهدف تنظيم أنشطة إدارة النفايات والإشراف عليها، وتحفيز الاستثمار فيها، والارتقاء بجودتها بناءً على مبدأ الاقتصاد الدائري في إدارة النفايات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
يهدف المركز إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية، تشمل:
- تنظيم قطاع إدارة النفايات بفاعلية للارتقاء بجودة الخدمات عبر كامل سلسلة القيمة.
- تعزيز الاستدامة الاقتصادية للقطاع من خلال تحفيز الاستثمار وتعظيم مشاركة القطاع الخاص.
- الحد من التخلص من النفايات في المرادم من خلال تحفيز استخدام أفضل ممارسات تقنيات استرداد الموارد.
- تعزيز الوعي العام بهدف الحدِّ من إنتاج النفايات وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير.
- تشجيع البحث والابتكار في مجالات إعادة الاستخدام والتدوير، وتقنيات استرداد الموارد، والذكاء الاصطناعي المتعلق بإدارة النفايات.
الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير (سرك)
أنشأ صندوق الاستثمارات العامة الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير (سرك) عام 2017م بهدف تطوير أنشطة مختلفة للتعامل مع كل أنواع النفايات، وتمويل تلك الأنشطة بهدف بناء قدرات إعادة التدوير في المملكة، وتشغل الشركة موقعًا قياديًّا في دفع الاقتصاد الدائري في السعودية من خلال تحقيق الأهداف الطموحة التي حددها الإطار التنظيمي الوطني لإدارة النفايات لعام 2035م.
تعتزم الشركة إعادة تدوير 85% من النفايات الصناعية والخطرة في السعودية، ونحو 15% من مدافن النفايات المتبقية بحلول عام 2035م، كما أنها تخطط لتطوير وامتلاك وتشغيل قطاع معالجة المواد القابلة للتدوير داخل السعودية، والاستثمار فيه. وتتطلَّع الشركة للمساهمة بأكثر من 37 مليار ريال من إجمالي الناتج المحلي، وجذب ما قيمته 6 مليارات ريال من الاستثمارات الخارجية إلى السعودية وخلق نحو 23 ألف فرصة عمل جديدة بحلول عام 2030م.
تعزيز الاقتصاد الدائري في السعودية
تُعد شركة سرك من أكبر شركات إدارة النفايات الصناعية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، وتمتلك منصة متكاملة لمعالجة النفايات الصناعية الخطرة وتخزينها ونقلها والتخلص منها بأمان، مع تحقيق أعلى مستويات الاقتصاد الدائري.
تعزز الشركة مكانة السعودية في حماية البيئة ومواجهة التحديات المناخية، مما يدعم الريادة العالمية للسعودية في إنتاج النفط والغاز، بالإضافة إلى قطاع التعدين المتنامي من خلال تطبيق أفضل التقنيات الممكنة لمعالجة النفايات وحماية البيئة والصحة العامة، واستعادة الموارد للاستفادة منها لفترة أطول وعلى نحو يتسم بالمسؤولية.
تحويل النفايات إلى أسمدة عضوية
اتسع نطاق الاهتمام بإدارة النفايات وإعادة التدوير في السعودية من واقع مكاسبه البيئية والاقتصادية، ولذلك اتجهت العديد من الجهات لتأسيس شركات متخصصة في إعادة التدوير، كما في تجربة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) التي أسست شركة إدامة للحلول العضوية في عام 2018م، بهدف تصميم وبناء وتشغيل مرافق التسميد المخصصة للمجتمعات المهتمة بالاستدامة، وتستخدم الشركة النفايات العضوية وتحولها إلى منتجات عالية الجودة لتحسين التربة في البيئات الصحراوية.
قدمت الشركة تجربة ناجحة في إعادة التدوير ترتكز إلى أسس علمية في عملياتها لإنتاج الأسمدة العضوية، مما جعل صندوق الابتكار في كاوست يمنحها استثمارًا تأسيسيًّا بقيمة 780 ألف دولار، وعملت على بناء منشأة لإنتاج الأسمدة على نطاق تجاري في مجمع الأبحاث والتقنية داخل حرم الجامعة في ثول بقدرة إعادة تدوير تبلغ 5,500 طن، الأمر الذي يُسهم في إعادة تدوير أكثر من 80% من إجمالي النفايات التي تنتجها كاوست.
تجارب الشركات السعودية في إعادة التدوير
لشركة أرامكو السعودية أيضًا جهودها في حماية البيئة من خلال تطبيقات الاقتصاد الدائري الذي يهدف إلى إعادة استخدام المورد بدلًا من استخدامه لمرة واحدة فقط، وذلك ما جعل الشركة تعمل على تحويل النفايات إلى قيمة، كما في تجربة معمل الغاز في حرض الذي أعاد تدوير 3,500 كجم من البولي إيثيلين التالف عالي الكثافة بنجاح من حوض لتبخير مياه الصرف إلى منتجات بلاستيكية، وتحديدًا أحواض زهور، وأنابيب كابلات، ومنتجات مفيدة أخرى، مع تجنب انبعاثات الغاز المسببة للاحتباس الحراري.
لمواكبة خطط السعودية في إعادة التدوير، وقَّعت شركة سابك في عام 1442هـ/2021م مذكرة تفاهم مع شركة سرك، لمساعدتها على إعداد أول مشروع لإعادة التدوير الكيميائي بهدف تمكين استخدام مواد اللقيم البلاستيكية المعاد تدويرها. وتهدف سرك إلى استخدام النفايات البلاستيكية المختلطة المجموعة من منشأة إعادة تدوير المواد لاستخدامها كمواد لقيم وتحويلها إلى زيت التحلل الحراري.
وعلى المنهج نفسه الذي خطت فيه شركات السعودية لتعزيز مبادرات إعادة التدوير في إطار تطبيق متطلبات الاقتصاد الدائري، وقَّعت شركة البحر الأحمر الدولية، المنفذة لأحد أكبر المشروعات السياحة طموحًا في العالم، عقدًا في عام 1441هـ/2020م مع شركة أفيردا انترناشونال، والشركة السعودية للمساندة البحرية، لإدارة المخلفات الصلبة في مشروع البحر الأحمر.
تعمل الشركتان في إطار الاتفاق بينهما على ضمان إعادة تدوير النفايات أو تحويلها إلى سماد، وتمثِّل تلك الخطوة إضافةً كبيرةً لجهود حماية البيئة وإدارة النفايات، حيث تعمل الشركتان على جمع وإعادة تدوير النفايات الناجمة عن مكاتب الإدارة، والوحدات السكنية، وأنشطة البناء والتطوير، والإسهام في تطبيق معايير الاستدامة البيئية، وصولًا إلى تحقيق مبدأ صفر نفايات في وجهة المشروع.
دشّن المركز الوطني لإدارة النفايات موان والشركة السعودية لإعادة التدوير سرك بدعم من أمانة منطقة الرياض في عام 1443هـ/2022م منشأة فرز النفايات البلدية الصلبة وإنتاج الوقود البديل RDF، وذلك في مدينة الرياض. وستنتج هذه الوحدة أكثر من 40 ألف طن سنويًا من الوقود البديل المستعاد من النفايات البلدية، بالإضافة الى استعادة ما يزيد على 7500 طن سنويًا من النفايات القابلة للتدوير، مما سيوفر سنويًا ما يزيد على 100 ألف برميل من الزيت الثقيل.
خطة تطوير قطاع النفايات في السعودية
تتبنى وزارة البيئة والمياه والزراعة خطة لتطوير قطاع النفايات في السعودية بهدف الوصول إلى إعادة تدوير تصل إلى 95% بما يسهم في الناتج المحلي بنحو 120 مليار ريال، فضلاً عن تحقيق الاستدامة من خلال إعادة تدوير تصل 100 مليون طن سنويًا، إضافة إلى توفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل للمواطنين والمواطنات وفق مستهدفات رؤية السعودية 2030. وتتراوح نسبة ما يعاد تدويره في قطاع إدارة النفايات في المملكة بين 3% إلى 4%، وتستهدف خطة الوزارة إعادة تدوير تصل إلى 95%.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
تبرز جهود المملكة العربية السعودية في مجال إعادة التدوير كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وحماية البيئة. من خلال تطوير الأنظمة، وإنشاء المراكز المتخصصة، وتشجيع الاستثمار في هذا القطاع، تسعى المملكة إلى تحقيق أهداف طموحة في إعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى موارد قيمة. هل ستنجح هذه الجهود في تحقيق الاقتصاد الدائري المنشود، وهل ستتمكن المملكة من تحقيق أهدافها في مجال الاستدامة البيئية والاقتصادية؟






