تعليم اللغة الصينية في السعودية: رؤية استراتيجية نحو العالمية
يُعد تعليم اللغة الصينية في السعودية مبادرة طموحة تهدف إلى دمج اللغة الصينية في المناهج التعليمية للمدارس والجامعات السعودية. جاءت هذه الخطوة بناءً على توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وذلك خلال زيارته إلى الصين في جمادى الأولى 1440هـ الموافق فبراير 2019م.
دوافع إدراج اللغة الصينية في المناهج الدراسية السعودية
إن إدخال اللغة الصينية في نظام التعليم السعودي يعكس رغبة المملكة في تنويع الأدوات اللغوية التعليمية والاستفادة من الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي تكتسبها هذه اللغة. الصين تمثل ثقلًا عالميًا متزايدًا، وتشهد العلاقات بين البلدين تطورًا ملحوظًا في المجالات الثقافية والاقتصادية والتجارية والسياسية. يتماشى هذا التوجه مع رؤية السعودية 2030، التي تؤكد على الانفتاح الثقافي والاقتصادي والعلمي على مختلف دول العالم وشعوبه. تجدر الإشارة إلى أن اللغة الصينية تُعد واحدة من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، حيث تحتل المرتبة الثانية بعد اللغة الإنجليزية من حيث عدد المتحدثين بها يوميًا، إذ يتحدث بها حوالي 1.2 مليار شخص حول العالم، مما يعني أن واحدًا من كل ستة أشخاص يتحدث الصينية.
خطة وزارة التعليم لتدريس اللغة الصينية في السعودية
تتبنى وزارة التعليم هدفًا استراتيجيًا يتمثل في جعل اللغة الصينية لغة ثالثة موازية للغة الإنجليزية، مع تحقيق نفس مستوى الانتشار في التعليم العام والجامعي.
فريق العمل المشترك والخطة التفصيلية
قامت وزارة التعليم بتشكيل فريق عمل مشترك مع الجانب الصيني لوضع خطة شاملة لإدراج تعليم اللغة الصينية في الجامعات والتعليم العام، مع التوسع التدريجي الأفقي والرأسي في كلا القطاعين. بالإضافة إلى ذلك، تم زيادة عدد الطلاب المبتعثين للدراسة في مختلف التخصصات بالجامعات الصينية.
تأهيل المعلمين وتطوير المناهج
تتضمن خطة الوزارة برنامجًا مكثفًا لتأهيل معلمين مؤهلين لتدريس اللغة الصينية في المراحل المستهدفة، قد يمتد لمدة عام كامل. تبدأ هذه المرحلة في مدارس ثانوية مختارة في مختلف مناطق المملكة، تليها خطة للتوسع التدريجي ليشمل المزيد من المدارس، ثم المرحلة المتوسطة. بالتوازي مع ذلك، سيتم إرسال معلمين إلى الصين في برامج تدريبية لمدة عام لتأهيلهم كمدرسي لغة صينية. وقد أنشأت الوزارة وحدة مختصة لتطوير استراتيجية تعليم اللغة الصينية في المدارس السعودية.
أرقام وإحصائيات
في عام 1444هـ/2022م، بلغ عدد الطلاب السعوديين الدارسين في الجامعات الصينية 174 طالبًا وطالبة، منهم 131 مبتعثًا و 43 يدرسون على حسابهم الخاص. في المقابل، خصصت السعودية 477 منحة دراسية سنوية للطلاب الصينيين في جامعاتها. وخلال الفترة من 2017 إلى 2022م، بلغ عدد الطلاب الصينيين الدارسين في الجامعات الحكومية السعودية 688 طالبًا وطالبة.
جهود تعليم اللغة الصينية في المدارس السعودية
بدأت الإدارة العامة للتعليم في منطقة الرياض في عام 1440هـ/2019م بتنفيذ دورات لتعليم اللغة الصينية من خلال أندية الأحياء، بواقع يومين في الأسبوع لمدة أربعة أسابيع. تم بث هذه الدورات مباشرة من خلال مركز الإنتاج في وزارة التعليم، لإتاحة الفرصة للمهتمين في المجال التعليمي لمتابعتها.
برنامج إثرائي في المدارس الثانوية
نفذت إدارات التعليم في مختلف المناطق والمحافظات برنامجًا إثرائيًا لتدريس اللغة الصينية في المدارس الثانوية الحكومية والأهلية، يستهدف طلاب وطالبات الصف الثاني الثانوي الذين يدرسون بنظام المسارات. يتم تقديم البرنامج في قاعات مجهزة بوسائل عرض صوتية ومرئية لعرض المحتوى الوزاري، بهدف تنمية مهارات الطلاب وإكسابهم مهارات التعلم الذاتي القائم على الأنشطة، وتشجيعهم على استكشاف اللغة الصينية لتسجيلها في الصف الثالث ثانوي كمادة اختيارية.
حوافز للطلاب
يقدم البرنامج حوافز للطلاب، مثل احتساب مشاركتهم في حصص الإتقان الإثرائية كأعمال تطوعية لدعم زملائهم داخل الصف. يحصل الطالب الذي ينهي البرنامج بنجاح على ساعات عمل تطوعية تُضاف إلى سجله في الأعمال التطوعية التعاونية والتعلم الذاتي.
مبادرات تعليم اللغة الصينية في الجامعات السعودية
شاركت الجامعات السعودية بفاعلية في مشروع تعليم اللغة الصينية. جامعة الملك سعود كانت سباقة في هذا المجال، حيث بدأت في إدخال اللغة الصينية منذ عام 2010م. بعد صدور التوجيه بإدخال اللغة الصينية في المناهج الدراسية عام 2019م، وسعت الجامعة نطاق تخصص اللغة الصينية. كما وقعت جامعة جدة اتفاقية تعاون مع الجانب الصيني لإنشاء معهد كونفوشيوس في الجامعة.
شراكات واتفاقيات
أبرمت جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن اتفاقية مع جامعة بكين للغات والثقافة لتقديم دبلوم اللغة الصينية للأعمال، يحصل بعدها الطالب على شهادة معتمدة من جامعة الأميرة نورة، بالإضافة إلى شهادة من جامعة بكين للغات والثقافة. واستحدثت جامعة الأميرة نورة في عام 2020م برنامج بكالوريوس اللغة الصينية. في المقابل، يستقبل معهد اللغة العربية للناطقات بغيرها في الجامعة طالبات صينيات، ويتخرج بعضهن بعد تأهيلهن وتمكين مهاراتهن في اللغة العربية.
التعليم الإلكتروني والدورات التدريبية
نفذت الجامعة السعودية الإلكترونية في عام 1441هـ/2019م دورات لتعليم اللغة الصينية، يتم تقديمها بنظام التعليم المدمج من خلال الحضور التقليدي في الجامعة والتعلم الإلكتروني. كما تقدم الجامعة دورات في مبادئ اللغة الصينية يقدمها مدربون صينيون، للمساعدة على فهم التراكيب اللغوية الصينية والقدرة على قراءة الأحرف وكيفية نطقها، ومعرفة معاني الكلمات الأساسية والتعبيرات المألوفة، وفهم بعض التراكيب الفعلية في هذه اللغة.
برامج الدبلوم المهني
احتفلت جامعة الملك عبدالعزيز في عام 1443هـ/2021م، بالتعاون مع جامعة مينزو الصينية، بتخريج أول دفعة من برنامج الدبلوم المهني في اللغة الصينية، الذي يهدف إلى تأهيل الكوادر السعودية لغويًا ومعرفيًا في اللغة الصينية لأغراض مهنية، وتمكين الطلاب من إتقان اللغة الصينية لمستوى متقدم (HSK4)، وتنمية المهارات اللغوية والمعرفة بالثقافة الصينية.
مبادرات مجانية
قدم مركز تبادل العلوم والثقافة الصينية في جامعة الملك عبدالعزيز في عام 1443هـ/2022م برنامجًا مجانيًا لتعليم اللغة الصينية عن بعد، بالتعاون مع مركز اختبارات الكفاءة في اللغة الصينية ببكين وجامعات صينية، حيث يحصل الخريج على فرصة للحصول على منحة للدراسة في إحدى هذه الجامعات.
دورات متخصصة
في عام 1446هـ/2024م، دشن معهد العلوم والثقافة الصينية ومركز تنمية القدرات البشرية في جامعة الملك عبدالعزيز دورات اللغة الصينية. تساعد الدورة على التعرف على صوتيات اللغة الصينية للمبتدئين الذين لم يسبق لهم دراسة هذه اللغة، وكتابة رموزها، وتعلم العبارات البسيطة والتواصل الأساسي، بالإضافة إلى تقديم نظرة عامة عن الثقافة الصينية. يهدف معهد العلوم والثقافة الصينية إلى نقل وتوطين المعارف والتقنية إلى السعودية، وإيصال الرسالة والثقافة الأكاديمية السعودية إلى المؤسسات الأكاديمية والبحثية الصينية، والاستفادة من التطور العلمي والأكاديمي.
معهد كونفوشيوس
افتتحت جامعة الأمير سلطان في الرياض في عام 1444هـ/2023م فرعًا لمعهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية، وهو معهد غير ربحي أنشأته الصين لتعميم اللغة الصينية ونشر ثقافتها حول العالم.
شراكات مهنية
أبرمت الكلية التطبيقية في جامعة أم القرى في عام 1445هـ/2023م شراكة مهنية مع شركة بيت الحكمة للغات في الرياض، لتدريب وتأهيل العاملين والطلاب في السعودية، وتمكينهم من المهارات المطلوبة لاكتساب اللغة الصينية، من خلال برامج تدريبية ودبلومات تطبيقية متخصصة في تعليم اللغة الصينية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
إن مشروع تعليم اللغة الصينية في السعودية يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز التنوع الثقافي والاقتصادي، وتأهيل جيل جديد قادر على التواصل الفعال مع العالم. هذه المبادرة الطموحة، المدعومة بخطط وبرامج تفصيلية، تعكس رؤية المملكة 2030 في بناء مستقبل مزدهر ومترابط مع العالم. هل ستسهم هذه الجهود في تحقيق نقلة نوعية في العلاقات السعودية الصينية، وتمهيد الطريق لمزيد من التعاون في مختلف المجالات؟











