المهن البحرية التاريخية في السعودية: إرث من الأصالة والخبرة
تُمثل المهن البحرية التاريخية في السعودية جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي للمملكة، حيث تعكس أساليب العيش التي تطورت في المناطق الساحلية عبر الزمن. هذه المهن ليست مجرد حرف، بل هي تاريخ حيٌّ يجسد تفاعل الإنسان السعودي مع البحر، وقد تناقلتها الأجيال في المناطق الساحلية المختلفة، لتشكل جزءًا هامًا من الهوية الوطنية. وعلى الرغم من تشابه بعض هذه المهن في الموارد، إلا أنها تتميز بأدوار مختلفة تعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي للمملكة. وتشمل هذه المهن صناعة السفن، والغوص بحثًا عن اللؤلؤ، والصيد بأنواعه، بالإضافة إلى مهنة “الكلجية” ذات الأهمية الخاصة.
مواسم الغوص في المهن البحرية التاريخية
كانت مواسم الغوص تمثل حدثًا هامًا ينتظره الغواصون بشغف، حيث يجهزون عُدّتهم استعدادًا لهذه الفترة. عُرفت أربعة مواسم رئيسية للغوص، وهي: غوص البرد، والغوص الكبير، والردة، والمجنى، وتُحسب بدايتها ونهايتها وفقًا للأشهر الميلادية.
تفاصيل المواسم
- يبدأ غوص البرد في منتصف أبريل ويستمر حتى نهاية مايو، لمدة تقدر بأربعين يومًا.
- الغوص الكبير يمتد من منتصف مايو حتى منتصف سبتمبر، ويستغرق حوالي أربعة أشهر.
- أما موسم الردة، فيبدأ من 20 سبتمبر حتى منتصف أكتوبر، ويستمر لثلاثة أسابيع.
- موسم المجنى يأتي في الشتاء أو الربيع، وهو الموسم الذي تنتشر فيه القواقع البحرية على السواحل خلال عملية المد والجزر، حيث يعمل الغواصون على جمعها.
يختلف عدد البحارة في السفن الكبيرة والصغيرة حسب نوع السفينة، حيث يصل العدد في السفن الكبيرة إلى حوالي 60 بحارًا، بينما يقتصر في السفن الصغيرة على حوالي 20 بحارًا. استخدم الصيادون طرقًا متنوعة لصيد السمك، مثل الشبكة المصنوعة من القطن، والحضرة التي تُصنع من جريد النخل، بالإضافة إلى الشبكة الدائرية المعروفة بالقرقور، والصنارة التي يوضع في طرفها الطُعم.
المهن البحرية التاريخية في غربي السعودية
تزخر مناطق غربي السعودية بتنوع فريد في المهن البحرية التراثية، وذلك بفضل طبيعتها الساحلية الغنية. من بين هذه المهن: الصيد والغوص، صناعة المراكب، المزاورية، صناعة الأشرعة، الكرانية، المرشدين، بالإضافة إلى السفرية أو الربانية.
تفاصيل المهن في غرب المملكة
حسب ما ذكره سمير البوشي في بوابة السعودية، كان سكان المنطقة قديمًا يمارسون مهنة صيد الأسماك حتى قبل توافر السفن والمراكب، مستخدمين قطعًا خشبية بسيطة للتنقل في البحر. اشتهرت بعض المناطق الساحلية مثل جدة والقنفذة بصناعة السفن والمراكب. المزاورية، أو “الزامة”، كانوا يتولون مهمة نقل البضائع من السفن التجارية إلى الميناء، بينما كان صناع الأشرعة يعملون على تحضير وإنتاج الأشرعة الخاصة بالسفن. أما الكرانية، فكانت مهامهم حسابية، حيث يسجلون عدد البضائع وأسماء التجار، في حين يقوم المرشدون بتوجيه السفن القادمة لتجنب الاصطدام بالشعب المرجانية. وكان السفرية أو الربانية يختصون بنقل الحجاج والسلع التجارية بين جدة والموانئ الأخرى، بينما تتولى مهنة الكلجية مراقبة وحراسة الجمارك والميناء.
المهن البحرية التاريخية في شرقي السعودية
كانت المهن البحرية في شرقي السعودية مصدر رزق أساسي للعديد من السكان، حيث اشتهرت المنطقة بمهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ، وتجارة اللؤلؤ، وصناعة السفن.
تفاصيل المهن في شرق المملكة
تعتبر مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ من أبرز المهن التي كانت تدر أرباحًا كبيرة على العاملين بها. كان العاملون في السفينة يتوزعون إلى عدة مهام، منهم ربان السفينة (النوخذة)، والغواص، والسيب، والرضيف. النوخذة كان المدير المسؤول عن السفينة والبحارة وحفظ اللؤلؤ وبيعه، وكان يحصل على 20% من قيمة اللؤلؤ. أما الغواص، فكان يحصل على 40% من المحصول، بينما يحصل السيب الذي يتابع الغواص على 30%، ويحصل الرضيف الذي يقدم الطعام والشراب للبحارة على 10%. وكان يرافقهم في بعض الأحيان شخص يتدرب على الغوص (التباب)، وشخص آخر يغني لتسليتهم (النهام).
تجارة اللؤلؤ كانت أيضًا من المهن الهامة في المنطقة الشرقية، حيث يتم بيع اللؤلؤ بعد استخراجه وتقسيمه إلى أحجام مختلفة لتاجر يسمى الطواش. بالإضافة إلى ذلك، اشتهرت المنطقة الشرقية بمهنة القلافة، وهي صناعة السفن التي تختلف تصاميمها حسب استخدامها، سواء للنقل، أو التجارة، أو صيد الأسماك، أو الغوص، أو السفر. ومن أنواع السفن التي اشتهرت بها المنطقة: الجالبوت، والشوعي، والبتيل، والبقارة المستخدمة للغوص، والبوم، والسفار، والبغلة المستخدمة للنقل، واللنج، والهوري، والورجية المستخدمة لصيد الأسماك.
المهن البحرية التاريخية في جنوبي السعودية
تتشابه مناطق السعودية الساحلية في ممارسة بعض المهن البحرية، حيث عمل سكان منطقة جازان في صناعة السفن والمراكب، وتوارثوها عبر الأجيال. وقد استبدلوا الأخشاب بالحديد في صناعتها، مع الحرص على تطوير التصاميم.
تفاصيل المهن في جنوب المملكة
كان صيادو الأسماك يتوجهون إلى صناع المراكب لتصميم مراكبهم الخاصة، ولاحقًا تطورت المهنة وأصبح لدى الصناع مصانعهم الخاصة. كانت القوارب الخشبية تصنع أيضًا في جزيرة فرسان، واعتبرت وسيلة مهمة للحصول على السمك الذي يدعم المعيشة والاقتصاد. وما زالت هذه المهنة متوارثة في جازان، مع تطور في الطريقة والمادة المستخدمة في صناعة المراكب والقوارب.
المهن البحرية التاريخية في شمالي السعودية
انتشرت في منطقة تبوك بعض المهن البحرية التراثية، مثل توجيه السفن القادمة إلى الميناء، والصناعات البحرية المختلفة، والصيد. وما زال بعض سكان مناطق الوجه، وحقل، وضباء يمارسون هذه المهن، ولكن بشكل محدود.
تحديات المهن البحرية
تواجه المهن البحرية التاريخية عددًا من التحديات، حيث يتعرض البحارة لمواجهة الظواهر الطبيعية مثل الرياح القوية وهيجان البحر، بالإضافة إلى أخطار الأسماك مثل القرش. وكان الغواصون يضعون في آذانهم شمع العسل أو الصوف لمنع وصول الماء إليها، ويربطون وسط جسمهم بحبل لكي يتمكن مساعدهم من رفعهم بعد انتهاء الغوص، وتختلف المدة الزمنية للغوص حسب قدرة الغواص على التحمل، ويقدر عدد الغطسات حسب حالة الطقس.
وفي النهايه
تعتبر المهن البحرية التاريخية في السعودية كنزًا ثقافيًا يعكس العلاقة الوثيقة بين الإنسان السعودي والبحر. وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها هذه المهن، إلا أنها ما زالت تحظى بأهمية كبيرة في الحفاظ على التراث والهوية الوطنية. فهل ستتمكن الأجيال القادمة من الحفاظ على هذا الإرث العظيم وتطويره، أم أن التحديات ستتغلب عليه وتؤدي إلى اندثاره؟











