علي بن مجثل: قائد عسكري بارز في عسير خلال القرن الثالث عشر الهجري
شهدت الجزيرة العربية خلال العقد الثالث من القرن الثالث عشر الهجري منعطفات تاريخية هامة، حيث مثلت الغزوات التي قادها محمد علي باشا تجاه مختلف مدن ومناطق الجزيرة العربية مرحلة حاسمة في تاريخ المنطقة. واجهت الجيوش الغازية مقاومة شرسة تفاوتت نتائجها، خاصة مع الدعم المتواصل الذي كانت تتلقاه من محمد علي باشا. لكن هذه الجيوش تراجعت في نهاية المطاف، بفضل تكاتف أبناء البلاد الذين ورثوا لواء المقاومة وحولوها إلى هجمات مباشرة ضد القوات الغازية، التي تكبدت خسائر فادحة على مدى عقدين من الحروب والمعارك.
عسير في مواجهة الغزو
كانت منطقة عسير من أبرز المناطق التي استهدفتها القوات الغازية، وذلك لدورها الفاعل في نشر الدعوة السلفية. تمكن أهالي المنطقة، بقيادة عدد من القادة، من الصمود في وجه القوات التركية، التي حققت في البداية انتصارات محدودة، نظرًا للمقاومة الشديدة التي واجهتها في المناطق الشمالية من عسير. برزت أسماء مثل طامي بن شعيب، وعثمان المضايفي العدواني، وبخروش بن علاس القرشي الزهراني، وغالية البقمية. ومع مرور الوقت، أصبحت المقاومة أكثر تنظيمًا وإلمامًا بتكتيكات الجيوش الغازية، التي كانت تمتلك أحدث أنواع المدافع والبنادق. في هذه الفترة، قدم العسيريون، بقيادة أمرائهم، ملاحم بطولية كبدت جيوش الباشا خسائر كبيرة، وبرز اسم علي بن مجثل كأحد القادة المتميزين في مقاومة الغزو.
نسب علي بن مجثل
عُرف علي بن مجثل اليزيدي بابن ترابة، وهي عادة عربية قديمة في تسمية الأبناء بأسماء أمهاتهم تكريمًا لهن. على الرغم من أن بعض المؤرخين ذكروا أن ترابة هي والدة علي بن مجثل، تشير الدراسات التاريخية إلى أنها جدته وجدة سلفه سعيد بن مسلط، الأخ غير الشقيق لعلي بن مجثل. ترابة بنت لاقي اليزيدي تنتمي إلى آل عبدالرحمن من آل يزيد. والدة سعيد بن مسلط وعلي بن مجثل هي عائشة بنت محمد، التي يُقال إنها أخت مرعي بن محمد اليزيدي، الذي كان أميرًا لعسير قبل إمارة آل متحمي. مرعي هو والد عايض بن مرعي، الذي تولى إمارة عسير بعد علي بن مجثل، وعايض هو جد أسرة آل عايض التي حكمت عسير من عام 1249هـ إلى 1342هـ.
آل مسلط وآل مجثل وآل عايض هم من سلالة واحدة من آل يزيد من بني مغيد، إحدى أكبر قبائل عسير، المعروفة بـ “مغيد الخطا” لسعيهم الدائم لتصحيح أخطاء الخارجين عن الطريق السليم. كما يُطلق عليهم “جمهور” كناية عن كثرة أعدادهم وأحلافهم.
إمارة آل متحمي
لفهم تاريخ علي بن مجثل، يجب استعراض تاريخ منطقة عسير التي كان يحكمها آل يزيد. بعد انضمام المنطقة إلى الدولة السعودية الأولى، بدأت إمارة أسرة آل متحمي التي تنتمي إلى عشيرة بني الحسن من ربيعة ورفيدة. مرعي بن محمد اليزيدي تزوج منهم قبل نشوء إمارة آل متحمي التي بدأت بمحمد بن عامر أبو نقطة، الذي توفي بالجدري بعد عودته من الدرعية واجتماعه مع الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، ليخلفه أخوه عبدالوهاب أبو نقطة الذي قتل في معاركه مع الشريف حمود أبو مسمار، ثم طامي بن شعيب الذي قتل في إسطنبول، ومن بعده ابن أخيه محمد بن أحمد المتحمي الذي قبض عليه وسلم لقوات محمد علي هو وابنه مداوي.
كان لكل من هؤلاء القادة تاريخ حافل بالإمارة وقيادة الجيوش. طامي ومحمد بن أحمد، ومعهم سعيد بن مسلط وعلي بن مجثل، تصدوا لحملات محمد علي باشا على عسير، مؤكدين حرص العسيريين على وحدة صفهم وتآخيهم. شكل طامي بن شعيب ومحمد بن أحمد وسعيد بن مسلط وعلي بن مجثل جبهة واحدة استطاعت صد القوات الغازية. استمرت مقاومة هؤلاء القادة لقوات الباشا، واستقر الحكم فيما بعد لسعيد بن مسلط وعلي بن مجثل اللذين قاوما نفوذ محمد علي باشا وهزما جيشه بقيادة أحمد باشا يكن عام 1240هـ.
بدايات علي بن مجثل
لم تحدد المراجع التاريخية تاريخ أو مكان ولادة علي بن مجثل، لكنها اتفقت على أنه ولد في أواخر القرن الثاني عشر الهجري. وعلى الرغم من أهمية أدواره ومكانته، إلا أن المصادر التاريخية لم تذكره إلا بعد أن برز اسمه كأحد القادة البارزين الذين ناصروا نشر الدعوة السلفية في عهد الدولة السعودية الأولى، من خلال مشاركته في مطاردة جيوش محمد علي باشا أثناء إمارة محمد بن أحمد المتحمي. شارك في طرد حامية الباشا من مدينة طبب عام 1230هـ والتصدي لحملة حسين باشا على عسير عام 1232هـ.
تقريب العلماء
تتفق المراجع التاريخية على أن علي بن مجثل كان قياديًا نادرًا، ومتحدثًا مفوهًا، وسياسيًا بارعًا، وحازمًا في إدارته، ومتدينًا وتقيًا. ولذا، كان حريصًا على استشارة العلماء وتقريبهم. كان التدين ظاهرًا في شخصيته، ويتجلى ذلك في خطاباته وتوجيهاته، وختمه الذي يحوي عبارة “يا من عليه أتوكل اهد عبدك علي بن مجثل”. بمجرد توليه الإمارة، حرص على تقدير العلماء والاستفادة منهم في مهام الحكم وفصل الخصومات، مما زاد من قوته وعزته. اقتراب العلماء من علي بن مجثل شكل النواة الأولى لمجلس الشورى الذي ظهر لاحقًا في عهد عايض بن مرعي.
الأعمال التي قام بها ابن مجثل من هدم للأضرحة والقباب التي على القبور تدلل على تمسكه بالدعوة السلفية. كما تشير مراسلاته مع العلماء والقضاة وأمراء المدن إلى ذلك. يذكر البعض أنه أرسل إلى أهالي أرتيريا يحثهم على دخول الإسلام. شهد عهد ابن مجثل تقدمًا في المجال العسكري والعلمي والثقافي، خاصة في بناء الأوقاف والمدارس ورواج الحركة العلمية.
قلعة المفتاحة
اشتهر ابن مجثل ببناء القلاع والحصون التي وزعها على عدد من المدن والقرى، ومن أشهرها قلعة المفتاحة التي تعتبر أول قلعة حكومية في أبها، ونقطة التحول في نقل عاصمة عسير من بلدة السقا إلى مدينة أبها. ظلت المفتاحة مقرًا حكوميًا وحصنًا منيعًا ذا أهمية في تاريخ أبها وعسير.
أوصى ابن مجثل قبل وفاته بالإمارة إلى عايض بن مرعي، تقديرًا لصفاته القيادية، وتأكيدًا على الإيثار وتحقيق الأمن والاستقرار.
معركة الحسم
كان محمد آغا المعروف ب تركي بن ألماز قائدًا في جيش محمد علي باشا، ثم انقلب عليه. تقاطعت مصالحه مع مصالح علي بن مجثل الذي كان يحاصر قوات محمد علي في أبو عريش، واتفقا على مواجهة جيوش محمد علي باشا. لكن العلاقة بينهما توترت بسبب فساد تركي بن ألماز واستغلاله لنفوذه. لم يرض علي عن تصرفات تركي، وعندما رفع الأهالي شكواهم، تأهب علي لمعاقبته. استطاع في النهاية أن يبدد جيوش ألماز ويطردها من البلاد ويحكم قبضته على أجزاء من بلاد اليمن وكامل المخلاف وعسير إلى جنوب الطائف.
وفاته
بعد معاركه مع تركي بن ألماز، عاد ابن مجثل إلى عسير مريضًا في آخر شهر شعبان عام 1249هـ. اشتد عليه المرض في أبوعريش، لكنه أصر على الوصول إلى مقر حكمه في بلدة السقا، حيث وصل محمولاً على الأكتاف. توفي في الثاني عشر من شهر شوال، بعد حكم دام سبع سنوات، وقبلها كان قائدًا للجيوش.
و أخيرا وليس آخرا
بهذا، تنطوي صفحة من تاريخ عسير، التي لا تزال بعض حصونها وقلاعها تحمل اسم ابن مجثل اليزيدي، رحمه الله. يبقى علي بن مجثل رمزًا للقادة الذين جمعوا بين التدين والقيادة الحكيمة، والذين سعوا لنشر العلم والعدل، ودافعوا عن بلادهم في وجه الغزاة. هل يمكن اعتبار قصة علي بن مجثل نموذجًا للقادة الذين يجمعون بين الحكمة والتدين في مواجهة التحديات؟











