تطورات أجهزة تنظيم ضربات القلب الحديثة
في عالم يشهد تطورًا سريعًا في الأجهزة الطبية التعويضية، تبرز أجهزة تنظيم ضربات القلب كأمثلة حيوية للأجهزة الطبية القابلة للزرع. هذه الأجهزة، سواء كانت مصاحبة للمرضى، مزروعة تحت الجلد، أو مغروسة عميقًا داخل الجسم، تلعب دورًا متزايد الأهمية.
بالإضافة إلى ذلك، تشمل هذه الفئة من الأجهزة الطبية المحفزات العصبية وأنظمة توصيل الأدوية، والتي أصبحت ضرورية بشكل متزايد لمواجهة تحديات الشيخوخة والأمراض المزمنة والإصابات العرضية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من قدرة هذه الأجهزة على إنقاذ الأرواح، فإن اعتمادها على بطاريات مدمجة يمثل تحديًا كبيرًا.
أحدث التقنيات في أجهزة تنظيم ضربات القلب
تعتمد هذه الأجهزة التعويضية على أنظمة إلكترونية دقيقة، وتزداد موثوقيتها بفضل التطور التكنولوجي المتسارع. تعمل هذه الأجهزة من خلال إصدار تيار كهربائي تستمدّه من بطاريات.
عندما يتعلق الأمر بالأجهزة المزروعة عميقًا داخل الجسم، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، يصبح تغيير البطاريات أمرًا معقدًا. ففي كل مرة تنفد البطارية، يضطر المريض للخضوع لعملية جراحية جديدة.
هذه العمليات الجراحية المتكررة لا تشكل مخاطر صحية فحسب، بل تسبب أيضًا شعورًا كبيرًا بعدم الراحة للمرضى. لذا، تُعد إعادة شحن البطاريات تحديًا لم يتم حله بالكامل حتى الآن في هذا المجال.
سعيًا لإيجاد حل لهذه المعضلة، توصل فريق بحثي من كوريا الجنوبية إلى طريقة واعدة قد تمثل حلاً فريدًا وفعالًا.
الشحن اللاسلكي يمثل حلاً ممكنًا لهذه الأجهزة، إلا أن فعالية الموجات الكهرومغناطيسية محدودة داخل جسم الإنسان، وقد تكون ضارة في بعض الحالات. بالإضافة إلى ذلك، قد يشكل التداخل الناتج عن هذه الموجات خطرًا على وظائف الجهاز نفسه.
في حين أن شحن الأجهزة بكفاءة يتطلب ترددات عالية، فإن هذه الترددات غالبًا ما لا تخترق جسم الإنسان بشكل فعال، مما يقلل من كفاءة هذه الطريقة.
شحن أجهزة تنظيم ضربات القلب بالموجات فوق الصوتية
تتراوح الترددات الصوتية التي يمكن للأذن البشرية سماعها بين 20 و20 ألف ذبذبة في الثانية. وتختلف حساسية الأذن من شخص لآخر حسب العمر وصحة الجهاز السمعي. أما الترددات التي تتجاوز 20 ألف ذبذبة فتُعرف باسم الموجات فوق الصوتية، والتي تتطلب وسطًا ماديًا لكي تنتشر وتنتقل.
قام البروفيسور Jinho Chang وفريقه في معهد Daegu Gyeongbuk للعلوم والتكنولوجيا بتطوير نظام شحن لاسلكي يعتمد على الموجات فوق الصوتية لنقل الطاقة إلى البطارية. هذا النظام يتيح إعادة شحن بطاريات الأجهزة القابلة للزرع بأمان وكفاءة، دون الحاجة إلى جراحة.
يعتمد النظام على طبقتين مستقبلتين للموجات فوق الصوتية. الطبقة الأولى تستقبل الموجات فوق الصوتية من جهاز خارجي وتحولها إلى كهرباء، بينما تجمع الطبقة الثانية طاقة الموجات فوق الصوتية المتبقية التي تمر عبرها، مما يولد طاقة إضافية.
كفاءة محسّنة ووقت شحن قصير
من خلال الجمع بين الطاقة التي يتم الحصول عليها من كلتا الطبقتين، يستطيع هذا النظام تحقيق كفاءة تزيد بأكثر من 20% مقارنة بالطرق التقليدية المستخدمة سابقًا.
وقد قام الفريق باستخدام عمليات محاكاة لتحسين تصميم المستقبل قبل البدء في التصنيع. بعد ذلك، تم توصيل الطبقتين كهربائيًا لزيادة إجمالي الطاقة المنتجة إلى أقصى حد.
حقق الجهاز كثافة طاقة تبلغ 497.47 ميللي وات لكل سنتيمتر مربع في الماء، وإنتاج إجمالي يبلغ 732.27 ميللي وات، وهو ما يكفي لشحن بطارية بسعة 140 مللي أمبير في الساعة بالكامل خلال 1.7 ساعة.
النتائج والأداء في العالم الحقيقي
لتقييم الأداء في ظروف واقعية، قام الباحثون باختبار الجهاز باستخدام أنسجة خنزير بسمك 30 ملم لمحاكاة جسم الإنسان. وحتى في ظل هذه القيود، تمكن الجهاز من توصيل 312.34 مللي وات.
ولاختبار هذه التقنية بشكل أعمق، أجرى فريق Chang تجربتين رئيسيتين. في التجربة الأولى، قاموا بشحن بطارية تجارية بسعة 140 مللي أمبير/ساعة بالكامل خلال ساعة و40 دقيقة فقط باستخدام نظام تحت الماء على مسافة 30 مم.
وفي التجربة الثانية، قام الفريق بشحن بطارية بسعة 60 مللي أمبير/ساعة خلال ساعة و20 دقيقة، باستخدام أنسجة خنزير بنفس السمك لمحاكاة تشريح الإنسان.
تعد هذه النتائج واعدة ومشجعة، حيث تجاوز ناتج الطاقة المتحقق ضعف ما تم تحقيقه سابقًا في أنظمة الشحن بالموجات فوق الصوتية.
في تصريح لـ”بوابة السعودية” يقول Chang: “يقدم هذا البحث تقنية مبتكرة تعمل على حصاد طاقة الموجات فوق الصوتية بشكل فعال. إذ تم استخدام تلك الموجات في إجراء عملية شحن لاسلكي للأجهزة الطبية القابلة للزرع”.
وأضاف: “يهدف الفريق إلى تسويق هذه التقنية تجاريًا مع المزيد من التحسينات. حيث نسعى إلى تسويق نظام قادر على الشحن الكامل خلال ساعة واحدة من خلال دمج تقنية الشحن اللاسلكي القائمة على الموجات فوق الصوتية مع مكونات أشباه الموصلات عالية الكفاءة”.
تجدر الإشارة إلى أنه في حال نجاح هذا النهج، فقد يلغي الحاجة إلى عمليات جراحية متكررة، كما يفتح الباب أمام تطوير أجهزة إلكترونية أصغر حجمًا وأذكى وأطول عمرًا قابلة للزرع في المستقبل القريب.
يشار إلى أن ذلك النظام ما زال في طور التطوير. وقد نشر الفريق نتائج البحث في مجلة “Biosensors and Bioelectronics”.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، نجد أن التطورات في أجهزة تنظيم ضربات القلب التي تعتمد على الشحن بالموجات فوق الصوتية تمثل قفزة نوعية في مجال الأجهزة الطبية القابلة للزرع. هذه التقنية لا تعد فقط بتحسين نوعية حياة المرضى من خلال تقليل الحاجة إلى العمليات الجراحية المتكررة، بل تفتح أيضًا آفاقًا جديدة لتطوير أجهزة طبية أصغر حجمًا وأكثر كفاءة. يبقى السؤال: إلى أي مدى ستسهم هذه التطورات في تغيير مستقبل الرعاية الصحية للأشخاص الذين يعتمدون على هذه الأجهزة الحيوية؟











