فهم متلازمة أسبرجر: نظرة شاملة
في البداية، وصف هانز أسبرجر هذه الحالة بـ “التوحد السيكوباثي”، إلا أن هذا الوصف ظل طي النسيان حتى عام 1981. في ذلك العام، قدمت الطبيبة البريطانية لورنا وينج تقريرًا عن مجموعة من الأطفال الذين تشابهت أعراضهم مع تلك التي وصفها أسبرجر. لاحقًا، أُدرجت متلازمة أسبرجر في دليل التشخيص الصادر عن منظمة الصحة العالمية.
تعريف متلازمة أسبرجر
تعددت التعريفات التي تناولت متلازمة أسبرجر، ومن أبرزها:
- هي اضطراب يؤثر في كيفية استقبال ومعالجة المعلومات الحسية، مما يؤدي إلى صعوبات في التفاعل الاجتماعي، واستخدام اللغة، والتواصل غير اللفظي. يترافق ذلك مع تعبيرات وجهية محدودة، ونمطية في الأنشطة، وضعف الاهتمام بالتفاعل الإنساني، بالإضافة إلى ضعف اللعب التخيلي خلال الطفولة.
- تُعد متلازمة أسبرجر أحد اضطرابات طيف التوحد، حيث يواجه المصابون بها تحديات في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، ويظهرون سلوكيات مقيدة ومتكررة.
عادةً ما تظهر أعراض متلازمة أسبرجر بين سن السادسة والعاشرة، حيث يلاحظ الأهل بعض الأعراض في وقت مبكر، لكنها تصبح أكثر وضوحًا عندما يجد الطفل صعوبة في التفاعل الاجتماعي بشكل مناسب، خاصةً عند دخوله الروضة أو المدرسة.
تأثير المتلازمة
تستمر تأثيرات هذه المتلازمة مدى الحياة، وعلى الرغم من عدم وجود علاج شافٍ تمامًا، إلا أنه يمكن التخفيف من الأعراض والآثار إلى أدنى حد ممكن، وكلما تم تشخيص المتلازمة مبكرًا، كان التعامل معها أسهل.
متلازمة المشاهير
غالبًا ما تُعرف متلازمة أسبرجر بـ “متلازمة المشاهير”؛ نظرًا لإصابة العديد من الشخصيات البارزة بها، مثل ليونيل ميسي وبيل غيتس، الذين لم تؤثر المتلازمة على مسيرتهم المهنية ونجاحهم.
اقرأ أيضاً: الصحة النفسية وأهميتها وتأثيرها في حياتنا.
أعراض متلازمة أسبرجر
تتضمن أعراض متلازمة أسبرجر ما يلي:
- تواصل غير نمطي: يظهر المصابون بهذه المتلازمة ما يُعرف بـ “الصمت الانتقائي”، حيث يتحدثون فقط مع الأشخاص الذين يشعرون بالراحة معهم ويتجنبون الغرباء. قد يلتزمون الصمت في الأماكن العامة أو عند وجود مجموعات كبيرة أو عند دخول أشخاص جدد. كما يعانون من صعوبة في الاتصال البصري، وقد يشعرون بالانزعاج إذا فشل المتحدث في الحفاظ على الاتصال البصري.
- صعوبة في المحادثات النمطية: يجد المصابون صعوبة في إجراء محادثات طبيعية تتضمن تبادل الأفكار والردود بشكل سلس، مما يجعلهم يميلون إلى الصمت ويعانون من “القلق الاجتماعي”.
- التركيز على اهتمامات محددة: يركز المصابون على اهتمامات معينة ويبتعدون عن المشاركة أو الاستمتاع أو مشاركة الآخرين في الإنجازات. هذا التركيز يساعدهم على التخلص من التشتت والقلق الاجتماعي.
- البحث عن الأنماط والتماثل: يتميز المصابون بفهم الأنماط، حيث تبحث عقولهم عن علاقات أو أوجه تشابه، مثل اختيار نمط لوني أو عددي معين، مما يظهر تميزهم في المجالات العلمية كالرياضيات والفيزياء.
- الالتزام بالروتين: يضع المصابون روتينًا ثابتًا لأنفسهم ويتجنبون التعرض لمواقف جديدة لتجنب الشعور بالارتباك.
- حساسية مفرطة للحواس: قد تكون الحواس الخمس لديهم إيجابية أو سلبية بشكل مفرط.
أسباب متلازمة أسبرجر
لم يتمكن العلماء من تحديد أسباب واضحة لمتلازمة أسبرجر، ولكن يُعتقد أنها قد تكون مرتبطة بمكون جيني للتوحد، وقد تكون نتيجة لمجموعة مشتركة من الجينات.
تشير بعض الأبحاث إلى أن التشوهات في الدماغ قد تكون سببًا، حيث يمكن أن تؤدي الاختلافات الوظيفية أو الهيكلية في مناطق معينة من الدماغ إلى ظهور متلازمة أسبرجر. كما أن هناك عوامل بيئية محتملة مثل عمر الوالدين المتقدم، وتناول بعض الأدوية، وأمراض ما قبل الولادة، وانخفاض الوزن عند الولادة.
يتم تشخيص متلازمة أسبرجر من خلال مراقبة سلوك الطفل من قبل متخصصي الصحة العقلية، وجمع المعلومات من الوالدين، وتقييم قدرات الطفل على التواصل والمهارات الاجتماعية. وفقًا لتقديرات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، يصاب واحد من كل 54 طفلًا بالتوحد، والذكور أكثر عرضة للإصابة من الإناث بأربع مرات.
شاهد بالفيديو: نصائح للحفاظ على الصحة النفسية.
علاج متلازمة أسبرجر
هناك العديد من الحلول والخيارات المتاحة للحد من تأثيرات متلازمة أسبرجر، ومن أهمها:
- التحليل السلوكي التطبيقي: يهدف هذا العلاج إلى فهم سلوك المصاب والعمل على تحسين التواصل والعلاقات وتعزيز المهارات الحياتية.
- تنمية المهارات الاجتماعية: التدريب على المهارات الاجتماعية الضرورية للاندماج مع الآخرين.
- العلاج المعرفي السلوكي: يهدف إلى تقليل الروتين والتخفيف من الاهتمامات الوسواسية وإدارة الانفعالات بشكل أفضل.
- علاج النطق واللغة: يهدف إلى تحسين القدرة على التواصل مع الآخرين وتقليل الانطوائية.
- العلاج الدوائي: لا توجد أدوية معتمدة رسميًا لعلاج متلازمة أسبرجر، ولكن يمكن استخدام بعض الأدوية لعلاج الاكتئاب الشديد والقلق المستمر، مثل أدوية القلق والاكتئاب وأدوية معالجة فرط الحركة ونقص الانتباه وأدوية معالجة اضطراب الوسواس القهري والاضطراب ثنائي القطب.
- العلاج البديل: قد يساعد التدليك على خفض التوتر والقلق، ولكن يجب الحذر من لمس الأشخاص الذين لا يفضلون التدليك. قد تكون الأعشاب مفيدة، ولكن يجب استشارة الطبيب قبل استخدام أي علاج بديل.
- دور المجتمع: يلعب المجتمع دورًا هامًا في علاج هذه المتلازمة من خلال توفير التسهيلات المدرسية والعمل والسكن، وتقديم الدعم الاجتماعي.
اقرأ أيضاً: عادات يومية تضر بالصحة النفسية.
نصائح للتعامل مع مصابي متلازمة أسبرجر
- التعامل بجدية مع الإصابة بمتلازمة أسبرجر.
- اكتساب المعرفة حول المتلازمة وأسبابها وكيفية علاجها.
- مساعدة المصابين على تلقي العلاج المناسب.
- تقديم الدعم والمساندة، خاصة في حالات الغضب أو الاكتئاب.
- تجنب الصراخ أو التوبيخ، وفهم أن المصاب لا يتحكم في سلوكه بشكل كامل.
- تجنب المناقشات الطويلة حول الإصابة والتركيز على العلاج.
- تذكر أن المتلازمة ليست ناتجة عن خطأ، وأن المصاب يحتاج إلى المساعدة بصبر وهدوء.
وأخيرا وليس آخرا
متلازمة أسبرجر ليست مرضًا، بل هي اضطراب في النمو يظهر غالبًا بعد سن السادسة ويصيب الأطفال ذوي الذكاء العادي أو المرتفع. المصابون بها يستحقون العيش في بيئة يتساوون فيها مع الأصحاء، ويمكنهم العيش بشكل طبيعي والمشاركة في المجتمع.











