تربية النحل وإنتاج العسل في السعودية: دعائم اقتصادية وموروث ثقافي
تربية النحل في السعودية تمثل رعاية نحل العسل بهدف إنتاج العسل، وتتم هذه العملية في خلايا خشبية مخصصة تسمى المناحل. يُعرف القائم على هذه الحرفة بـ “النحال”.
يعتبر نحل العسل، المنتمي إلى جنس أبيس، من أهم الأنواع، حيث ينتج العسل ومنتجات أخرى مثل شمع العسل وحبوب اللقاح، والتي تلعب دورًا حيويًا في تلقيح المحاصيل الزراعية.
حجم إنتاج العسل في السعودية
بفضل التنوع الجغرافي الذي تتمتع به المملكة، انتشرت تربية النحل في مناطق إدارية متعددة. تنتج السعودية سنويًا ما يزيد عن 5000 طن من العسل، ويبلغ عدد خلايا النحل فيها أكثر من مليوني خلية. وقد ساهمت الاستراتيجية الوطنية للزراعة في زيادة عدد النحالين المسجلين لدى وزارة البيئة والمياه والزراعة، ليصل عددهم إلى أكثر من 20 ألف نحال.
مناطق انتشار تربية النحل في السعودية
تزدهر تربية النحل في المناطق الزراعية الخصبة مثل عسير، الباحة، وجازان.
تتنوع الحركة الإنتاجية للنحالين في السعودية تبعًا لتغير الفصول. ففي فصل الشتاء، ينقل المربون خلايا النحل من قمم الجبال إلى سهول تهامة لحماية النحل من تقلبات الطقس، وهذا الانتقال يسهم أيضًا في توفير بيئة مناسبة لإنتاج كميات أكبر من العسل، نظرًا لوجود أشجار متنوعة مثل الطلح، الضرم، الطباق، الشرم، السحاء، السمر، السلم، السدر، الضهيان، والسيال.
تربية النحل في منطقة عسير
تتميز منطقة عسير بأهميتها التاريخية كمركز إنتاجي رئيسي للعسل الطبيعي في السعودية. تُعد قمم جبال السراة في عسير منطقة مثالية لتربية النحل، خاصة في فصل الصيف، بفضل اعتدال المناخ وكثافة وتنوع الأشجار المزهرة.
وقد شجع توسع وتطوير آليات تربية النحل في عسير المزارعين على زراعة أنواع جديدة من النباتات المعروفة بأزهارها الجذابة للنحل، والتي تنتج أقراصًا ذات قيمة غذائية عالية وأسعار مرتفعة.
تربية النحل في منطقة جازان
ساعد تنوع تضاريس جازان على التنوع الغذائي وانتشار الأشجار على السفوح وضفاف الأودية، مما خلق بيئة مثالية لخلايا النحل. تشتهر المنطقة بإنتاج أنواع متعددة من العسل مثل عسل السدر، القتاد، السلام، السمرة، الدوم، الضهيان، الطلح، المرار، المجرى، والسحاة.
يوجد في جازان أكثر من 4000 نحال يمتلكون حوالي 450 ألف خلية تنتج ما يزيد عن 15 نوعًا من العسل، بمتوسط إنتاج يبلغ 450 طنًا. يعتبر مشروع إنشاء محطة لتربية ملكات النحل وإنتاج الطرود في جازان، جزءًا من برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة “ريف”، الذي يهدف إلى تشجيع مربي النحل على إنتاج العسل المحلي وفقًا لمعايير الجودة، ونشر السلالة المحلية، ونقل التقنيات الحديثة لتحسين كمية ونوعية الإنتاج وخفض التكلفة وزيادة الدخل مع الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية.
تربية النحل في منطقة الباحة
تعتبر تربية النحل وإنتاج العسل من المهن القديمة المتوارثة في الباحة، بفضل تنوع الغطاء النباتي والمناخي الذي يسهم في انتشار هذا النشاط.
تنتج الباحة حوالي 20% من إجمالي إنتاج المملكة من العسل، أي ما يقارب 1000 طن. تتنوع أنواع العسل المنتجة تبعًا للغطاء النباتي، حيث تنتج الباحة 15 نوعًا من العسل عالي الجودة. يمثل عدد النحالين في المنطقة 16% من إجمالي النحالين في المملكة، أي حوالي 3000 نحال، بين محترفين يمتلكون أكثر من 1000 خلية وهواة يمتلكون عددًا أقل بمتوسط 100 خلية.
الدعم الحكومي لتربية النحل في السعودية
تتعاون عدة جهات حكومية لدعم تربية النحل، مثل وزارة البيئة والمياه والزراعة، والجمعية التعاونية للنحالين، ووحدة أبحاث النحل، وأرامكو السعودية، لتقديم الدعم وتعزيز ثقافة تربية النحل. أُطلقت مشاريع تعنى بهذا المجال ضمن إطار تأهيلي ترعاه جهات حكومية، منها مشروع دراسات بناء وتعزيز القدرات الوطنية، لتأهيل الشباب السعودي لامتهان تربية النحل وإنتاج منتجاته، وهو جزء من برنامج تنمية القدرات البشرية في رؤية السعودية 2030.
تعتبر وزارة البيئة والمياه والزراعة الجهة الحكومية الأساسية في دعم تربية النحل، حيث تقدم خدماتها اللوجستية والإرشادية لحوالي 8800 نحال، يقومون بتربية النحل في حوالي 1.8 مليون خلية.
وتسهم الوزارة في تقديم الخدمات الإرشادية وتعريف النحالين بالطرق الحديثة في تربية النحل، عبر 11 منحلًا إرشاديًا في مناطق المملكة، إضافة إلى توفير محطات لتربية ملكات النحل وإنتاج الطرود. كما تعمل من خلال مبادرة تطوير تربية النحل وإنتاج العسل على تحسين وتطوير سلالة النحل المحلية والمحافظة عليها، وتنظيم وتنمية المراعي النحلية وحمايتها، ورفع وتنمية قدرات النحالين، وتطوير الخدمات الإرشادية والبحث العلمي، وحماية النحل من الأضرار.
كما تعمل الوزارة على تطوير وتنمية قطاع النحل من خلال برامج ومبادرات متعددة، منها برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة “ريف” وبرنامج الزراعة العضوية وتطوير مهارات النحالين من خلال الدورات التدريبية، إضافة إلى استضافة مناحل إيضاحية نموذجية لنشر الثقافات المحسنة والممارسات الجيدة لتربية النحل.
وقدم صندوق التنمية الزراعية التابع لوزارة البيئة والمياه والزراعة، ضمن خدماته في قطاع التمويل، طلب تمويل تربية النحل الثابت، الذي يأتي في إطار شراكة الصندوق في تقديم الخدمات الائتمانية وتكاملًا مع الجهات الأخرى المختصة في دعم مربي النحل، إذ يقدم الصندوق الخدمات الفنية والتسويقية والتدريب لعملاء الصندوق ضمن برنامج التمويل المقدم، وترتكز أهمية التمويل على الإسهام في تمويل التكاليف التشغيلية لمربي النحل الثابت المرخص لهم مزاولة النشاط.
وشملت الجهود الحكومية لدعم تربية النحل تأسيس الجمعية التعاونية لتطوير صناعة النحل بالرياض، المعروفة باسم “نحال” عام 2015. شاركت الجمعية في مشاريع تابعة لوزارة البيئة والمياه والزراعة، كالمعرض الزراعي السعودي لعام 2019، وتعاونت مع جهات حكومية تعليمية مثل جامعة الملك فيصل.
دور التعليم في دعم مهنة تربية النحل في السعودية
يساهم أعضاء هيئة التدريس السعوديون المختصون في مجال النحل بجامعات المملكة في إجراء الأبحاث والمشاريع البحثية التي تهدف إلى تطوير مهنة تربية النحل وحل المشكلات التي تواجهها. أنشأت جامعة الملك خالد في عسير وحدة خاصة بأبحاث النحل وإنتاج العسل، لتفعيل دور الجامعة العلمي في تعزيز دور تربية النحل وإنتاج العسل بوصفها مهنة تسهم في تحقيق التوازن البيئي والاكتفاء الذاتي من منتجات العسل.
وحدة أبحاث النحل وإنتاج العسل
تضم وحدة أبحاث النحل وإنتاج العسل بجامعة الملك خالد منحلًا بحثيًا تطبيقيًا، ومختبرًا لتحليل منتجات النحل، ومختبرًا لتشخيص أمراض النحل، وآخر لتربية الملكات، ومختبرًا لإنتاج سم النحل. أسهم وجود الوحدة في توفير فرص عمل، وتمكين مربي النحل من استخدام الوسائل والطرق العلمية الحديثة لتجويد مهنة تربية النحل وإنتاج العسل.
أطلقت الوحدة مشروع “علامة التميز” بالتزامن مع كثافة إنتاج العسل في السعودية وازدهار مهنة تربية النحل، بهدف منع ممارسات الغش الشائعة في العسل.
كما ابتكرت الوحدة مشروع تحديد معايير العسل بمنطقة عسير، الذي يهدف إلى تصميم خارطة للنباتات العاسلة بالمنطقة، وتنظيم أطلس لحبوب اللقاح للنباتات العاسلة، وتحديد الأصول النباتية لعسل النحل، وتحديد مستوى المواصفات الفيزيائية والكيميائية المتفق عليها عالميًا، وكذلك تحديد المواصفات الكيميائية والفيزيائية لشمع وسم النحل بمناطق عسير.
في الرياض، تأسست وحدة أبحاث النحل التابعة لقسم وقاية النبات في كلية علوم الأغذية والزراعة في جامعة الملك سعود، وهي نواة للبحث العلمي في مجال تربية النحل داخل السعودية وخارجها، من خلال تطوير البحث العلمي والتطبيق الميداني للنهوض بصناعة النحل في السعودية. تتوزع الوحدة بين موقعين في منطقة الرياض، أحدهما في الحرم الجامعي لجامعة الملك سعود، والآخر في ديراب، ويعد موقعًا بحثيًا تطبيقيًا يحتوي على جميع الأدوات الخاصة بتربية نحل العسل ومنتجاته، كما يتضمن منحلًا بحثيًا وغرفة خاصة بفرز وإنتاج العسل والمنتجات الأخرى.
تطوير قطاع تربية النحل وإنتاج العسل في السعودية
وضعت وزارة البيئة والمياه والزراعة خطة لتطوير قطاع تربية النحل وإنتاج العسل في السعودية، لتحقيق الريادة على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال عدة مرتكزات تسهم في تطوير وتربية النحل وإنتاج العسل محليًا، ليصبح منتجًا ذا قيمة اقتصادية عالية، إلى جانب إطلاق عدة مبادرات لتحسين وحماية سلالة النحل المحلية والمحافظة عليها، وتطوير الكفاءة الإنتاجية من الملكات والطرود وإنتاج العسل والمنتجات النحلية.
كما عملت الوزارة على تمكين ودعم حوالي 10,500 نحال ونحالة في جميع مناطق المملكة، عبر برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة “ريف”، إذ بلغ إجمالي الدعم المباشر لقطاع العسل 140 مليون ريال، كما دعمت الوزارة 11 مشروعًا في مختلف مناطق المملكة بأكثر من 100 مليون ريال؛ للإسهام في استدامة وتنمية القطاع، وضمان تمكين النحالين السعوديين وتوطين المهنة، إضافة إلى زيادة الإنتاج.
وعمل برنامج “ريف” على إدخال ونشر الأنظمة والتقنيات الحديثة في تربية النحل وإنتاج العسل، والحفاظ على السلالة المحلية وتحسين جودتها للمنافسة الإقليمية والدولية، إلى جانب توطين المهنة وخلق فرص العمل، خاصة للشباب والشابات، من خلال مبادرة التوطين؛ لزيادة دخل النحالين، وتحسين المؤشرات الاقتصادية.
وفي سياق إسهام الوزارة في توطين مهنة تربية النحل، قامت بتدريب 1500 نحال ونحالة من جميع مناطق المملكة، كما نظمت برامج تدريبية مختصة في تربية النحل والمنتجات التحويلية والتسويق، لأكثر من 800 نحال ونحالة.
كما تقدم الوزارة عبر منصة الخدمات الإلكترونية “نما” أكثر من 13 خدمة للنحالين، منها إصدار تراخيص، وإصدار تصاريح مزاولة مهنة نحال، وعيادة متنقلة لفحص وتشخيص أمراض وآفات النحل، ودورات تدريبية في مجال تربية النحل ومنتجات صناعة العسل عبر مركز التدريب الزراعي بالمنطقة، وغيرها من الخدمات التي تخدم النحالين.
الفعاليات والمؤتمرات العلمية عن تربية النحل في السعودية
تُنظم فعاليات وطنية ومؤتمرات علمية عن تربية النحل وإنتاج العسل، كالمؤتمر العلمي لمهرجان العسل الدولي، تحت شعار “أفضل الممارسات والتجارب لتربية النحل لتحقيق رؤية المملكة 2030″، إذ نظمته جمعية النحالين بالباحة بالتعاون مع وزارة البيئة والمياه والزراعة، وبدعم من جامعة الباحة ومجلس الجمعيات التعاونية، وشارك فيه خبراء من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الفاو، ومن اتحاد النحالين العالمي الإيبومنديا، ومن الجمعية العربية لتربية النحل، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، وجامعة الملك سعود، وصندوق التنمية الزراعية.
و أخيرا وليس آخرا:
تُظهر تربية النحل في السعودية تضافر جهود مجتمعية وحكومية لتعزيز هذا القطاع الحيوي، فبينما يسعى النحالون إلى تطوير أساليبهم الإنتاجية وتحسين جودة العسل، تعمل الجهات الحكومية والتعليمية على توفير الدعم اللازم وتطوير البحث العلمي. هل ستنجح هذه الجهود في تحقيق الاكتفاء الذاتي من منتجات العسل ووضع السعودية في مكانة رائدة على المستوى الإقليمي والدولي؟











