السهو: بين الحالة الطبيعية والمرض
العمل سلوك إنساني نبيل، لكن الإفراط فيه يتحول إلى إدمان مدمر. وبالمثل، السهو أو الشرود الذهني هو حالة طبيعية، ولكن عندما يتجاوز حداً معيناً، يصبح مرضاً يستدعي الانتباه. في هذا المقال، سنتناول تعريف السهو وأسبابه وأعراضه، لنلقي نظرة فاحصة على هذه الحالة الشائعة.
ما هو مرض السهو؟
مرض السهو هو عبارة عن سرحان أو شرود ذهني متكرر بشكل غير طبيعي. الإنسان العادي قد يشرد ذهنه لدقائق معدودة، ولكن عندما يصبح الشخص في عالمه الذهني الخاص معظم الوقت، بعيداً عن الواقع، يُعتبر ذلك مرض السهو.
السهو هو خروج مؤقت من الواقع، يمر به الجميع، خاصةً في حالات القلق أو الضغوط النفسية، أو حتى بسبب الانشغال بأمور مهمة تستحوذ على الأفكار. رب الأسرة قد يسرح في كيفية تأمين أقساط الجامعة لأبنائه، والزوجة في تحديات حياتها بعد سفر زوجها، والطفل في لعبة الكرة بعد انتهاء الدوام.
هذه الحالات الطبيعية من السرحان لا تعتبر مرض السهو. لكن إذا زادت مدة الشرود وتواتر مرات حدوثه، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً لأمراض جسدية أو نفسية أو عقلية.
أعراض مرض السهو
أعراض مرض السهو هي مجموعة من الظواهر والتصرفات التي تشير إلى معاناة الشخص من هذا المرض. يشترك المصابون بالسهو في الأعراض التالية:
1. انعدام التركيز
من أبرز أعراض مرض السهو هو انعدام التركيز. قد يسأل الشخص أسئلة تمت الإجابة عليها للتو، أو يتحدث بحديث يدل على عدم استماعه للحوارات الدائرة، أو لا ينتبه لدخول أو خروج الأشخاص. هذا لأن ذهنه غائب تماماً، وقد ينسى المريض المهام التي يجب عليه القيام بها.
2. قلة رمش العين
من الأعراض المميزة لمرض السهو هي قلة حركة الرمش اللاإرادية. يبدو الشخص في حالة السهو وكأنه لا يحرك جفنيه، وغالباً ما يتم اختبار ذلك بتحريك اليد أمام عينه، فيرمش بشكل دفاعي.
3. الانعزال والميل إلى الوحدة
يميل المصاب بالسهو إلى الانفراد والانعزال، والابتعاد عن التجمعات البشرية. ذهنه مليء بالأفكار التي تحتاج إلى معالجة هادئة، والوجود مع الآخرين قد يشتت هذه العملية.
4. الإصابة باضطرابات النوم
تعتبر اضطرابات النوم من أعراض مرض السهو. فالسهو قد يعطل النوم، ويبقي الذهن في حالة يقظة لمعالجة الأفكار، مما يسبب صعوبات في النوم وأرق. هذا يؤدي إلى انخفاض التركيز خلال النهار وصداع ونعاس شديدين، ليصبح السهو والأرق حلقة مفرغة.
ما هي أسباب مرض السهو؟
بعد تعريف مرض السهو وأعراضه، نستعرض الآن الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الغياب في دهاليز أفكاره:
1. كثرة الأفكار
كثرة الأفكار وتدفقها غير المنتظم من أهم أسباب مرض السهو. يظهر ذلك عند الأشخاص الذين يقومون بمسؤوليات ومهام متعددة في حياتهم اليومية، مثل الأم العاملة التي تهتم بعملها وشؤون بيتها وأبنائها وعلاقاتها الاجتماعية.
الأشخاص الذين يهتمون بالتفاصيل، وأولئك الذين يمرون بأوقات عصيبة أو يواجهون مشكلات خطيرة، هم أيضاً عرضة للشرود الذهني الكثير.
2. الخوف من المستقبل
يعتبر الخوف من المستقبل من الأسباب الرئيسية لمرض السهو. هذا الخوف ينطوي على قلق من الأيام القادمة، مما يطرح أسئلة كثيرة في الذهن، ويبعد وعي الإنسان عما يدور حوله.
الناس يقلقون بشأن مستقبلهم المهني أو المادي أو الصحي أو الاجتماعي أو العائلي، وقد يفكرون في هذه الأمور جميعاً، مما يبقيهم شاردي الذهن. يزداد هذا السبب بعد عمر الثلاثين، مع ازدياد الوعي والتفكير في المستقبل.
3. أسباب مرضية
توجد بعض الأسباب المرضية التي تعتبر من مسببات مرض السهو. فالخوف على الصحة والتفكير بها قد يشغل الإنسان عن مجريات الحياة الأخرى. المصابون بالأمراض الجسدية، وخاصة الخطيرة منها كأمراض القلب والسرطان، قد يفقدون التركيز وينشغلون بمراقبة أعراضهم الصحية.
الإصابة ببعض الأمراض العقلية والنفسية أيضاً من أسباب مرض السهو، فمرضى الاكتئاب يعانون من السرحان المستمر، وكذلك المصابون بالأمراض الدماغية والتوحد.
4. قلة النوم
قلة النوم والأرق سببان رئيسيان لمرض السهو، وهما أيضاً من أعراضه. قلة النوم تضر بالوظائف العقلية وتحرم خلايا الدماغ من الراحة، مما يجعل الإنسان عرضة للإصابة بالسهو.
5. نقاط الضعف في الشخصية
عندما تتعرض لموقف سلبي ولا تستطيع الدفاع عن نفسك، فإن دماغك سينشغل بالتفكير في نقاط الضعف في شخصيتك. هذا التفكير المستمر قد يؤدي إلى الإصابة بمرض السهو.
6. الأزمات المادية والنفسية والعاطفية
تعتبر الأزمات على اختلاف أنواعها من أهم أسباب مرض السهو. الحاجة المفاجئة لتأمين مبلغ كبير لعملية جراحية، أو حادث مروري مؤلم، أو حالات الانفصال العاطفي، كلها قد تؤدي إلى السرحان والشرود الذهني.
علاج مرض السهو
يكون علاج مرض السهو عبر علاج الأسباب التي أدت إلى حدوثه، وذلك باتباع الخطوات الآتية:
- مواجهة الضغوطات النفسية وتفكيك المشكلات المعقدة وحلها.
- الانتباه إلى نوعية وكمية الأطعمة المتناولة، فالأطعمة غير الصحية تقلل من التركيز.
- تنظيم الوقت وأخذ فترات راحة حقيقية.
- النوم الكافي.
- الابتعاد عن الأشخاص السلبيين ومرافقة الإيجابيين.
- اللجوء إلى الطبيب النفسي عند الحاجة.
و أخيرا وليس آخرا
مرض السهو ليس مرضاً بحد ذاته بقدر ما هو عرض لمشكلة أخرى. السهو حالة طبيعية إذا كانت ضمن الحدود المعقولة، ولكن تجاوز هذه الحدود يعتبر مؤشراً خطيراً، خاصةً إذا أثر في أداء الإنسان وممارسة حياته بشكل طبيعي، بحسب «بوابة السعودية». هل يمكن اعتبار السهو المتزايد في مجتمعاتنا الحديثة نتيجة طبيعية لوتيرة الحياة المتسارعة والضغوط المتزايدة، أم أنه مؤشر على مشكلات أعمق تحتاج إلى معالجة؟











