الذكاء الاصطناعي: صراع النفوذ العالمي بين الصين والولايات المتحدة
في خضم المنافسة التكنولوجية المحتدمة بين الصين والولايات المتحدة، برزت ساحة جديدة تتجسد في سباق محموم لوضع معايير الذكاء الاصطناعي. فبينما كانت الروبوتات تتصارع في حلبة ملاكمة خلال أحد مؤتمرات الذكاء الاصطناعي البارزة في شنغهاي، كانت حرب أخرى تدور رحاها في أروقة السياسة والتكنولوجيا.
إطلاق منظمة عالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي
استجابة لهذا التحدي، أطلقت الصين منظمة عالمية جديدة تهدف إلى تنسيق الجهود الدولية لضمان استخدام آمن وشامل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. حذّر رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، خلال مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي السنوي، من مخاطر احتكار هذه التكنولوجيا، داعياً المسؤولين الأجانب، خاصة من الدول النامية، إلى التعاون في مجال الحوكمة.
خطة الصين لمنافسة النفوذ الأمريكي
تُمثل المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي خطة الصين لمنافسة الولايات المتحدة على النفوذ العالمي، من خلال تقديم نفسها كداعم للذكاء الاصطناعي للجميع. فمن شأن القواعد التنظيمية الأكثر مرونة أن تمنح الشركات الصينية دفعة قوية في سباقها مع نظيراتها الأمريكية، في سوق من المتوقع أن تصل قيمتها إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033.
الذكاء الاصطناعي: ساحة تنافس جيوسياسي
على الرغم من هيمنة الولايات المتحدة على سوق رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إلا أن الشركات الصينية تمكنت من تقديم حلول تنافسية تجذب العديد من الدول المشاركة في المؤتمر.
جاذبية الحلول الصينية للدول النامية
أوضح إريك أولاندر من مشروع الصين والجنوب العالمي، أن الصين تقدم مزيجاً فريداً من منتجات الذكاء الاصطناعي، سيكون جذاباً للدول منخفضة الدخل التي تفتقر إلى البنية التحتية الحوسبية والكهربائية اللازمة لتشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة. ووفقاً لـ “بوابة السعودية”، شارك في المؤتمر أكثر من 800 شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، تمثل أكثر من 70 دولة ومنطقة حول العالم.
الترويج للتكنولوجيا كأداة جذب
تتبنى بكين نهجاً يعتمد على استخدام التكنولوجيا كأداة ترويج ووسيلة جذب في الوقت نفسه، مستعيدة تجربتها السابقة في مبادرة طريق الحرير الرقمي، التي وضعت الشركات الصينية في قلب شبكات الاتصالات العابرة للقارات.
الصين تسعى لصياغة المعايير العالمية
على مدى سنوات، سعت الصين إلى صياغة المعايير العالمية للتقنيات الناشئة، مثل شبكات الجيل الخامس، بهدف توجيه مسار التطوير التكنولوجي وفتح المجال أمام شركاتها للفوز بحصة في الأسواق الخارجية. وقد أثار الحضور القوي لشركة هواوي تكنولوجيز داخل الكيانات التي تضع المعايير الدولية تدقيقاً من الحكومة الأمريكية، التي فرضت قيوداً صارمة على استخدام معدات الشركة.
الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي: ميدان جديد للمنافسة
أصبحت الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي ساحة جديدة للمنافسة بين القوى الكبرى، حيث تعتبر كل من الولايات المتحدة والصين هذه التكنولوجيا أداة حيوية لاقتصادها وأمنها القومي. وقد أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن بلاده ستفعل كل ما يلزم لتتولى ريادة الذكاء الاصطناعي، من خلال خطة تتضمن التصدي للنفوذ الصيني المتنامي داخل الهيئات الدولية المعنية بالحوكمة.
بكين تروج لحوكمة آمنة للذكاء الاصطناعي
في ظل غياب قواعد دولية ملزمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، تدفع الصين بخطة طموحة تركز على تعزيز البنية التحتية الرقمية المعتمدة على الطاقة النظيفة، وتوحيد معايير القدرة الحوسبية. كما تؤكد بكين دعمها لدور الشركات في صياغة معايير فنية متعلقة بالأمن والصناعة والأخلاقيات.
تفاصيل غير معلنة حول المنظمة الصينية الجديدة
لم يتم الكشف عن تفاصيل كثيرة بشأن الكيان الصيني الجديد، ومقره شنغهاي. وفي تصريح مقتضب، قال المسؤول الكبير في وزارة الخارجية الصينية ما تشاو شيو إن المنظمة ستركز على وضع معايير وأطر حوكمة للذكاء الاصطناعي، مضيفاً أن الصين ستناقش التفاصيل مع الدول الراغبة في الانضمام.
المخاوف بشأن السلامة تدفع للمطالبة بضوابط صارمة
مع احتدام السباق بين الشركات الأمريكية والصينية لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قد تضاهي أو تتفوق على القدرات البشرية، دفعت المخاوف بشأن السلامة أيضاً إلى المطالبة بوضع ضوابط صارمة. وفي هذا السياق، أعرب جيفري هينتون، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، عن دعمه لتعاون الهيئات الدولية في معالجة قضايا السلامة المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
الصين تراهن على دعم الجنوب العالمي
يبدو أن جزءاً من استراتيجية بكين في مجال الذكاء الاصطناعي يستند إلى توجهها الدبلوماسي بدعم دول الجنوب العالمي لتعزيز حضورها في الساحة الدولية. وشدد لي تشيانغ على ضرورة مساعدة هذه الدول في بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
مشاركة واسعة من دول الجنوب
شكّلت دول الجنوب الغالبية العظمى من أكثر من 30 دولة تمت دعوتها للمشاركة في اجتماعات الحوكمة رفيعة المستوى، من بينها إثيوبيا وكوبا وبنغلاديش وروسيا وباكستان. كما شاركت مجموعة محدودة من الدول الأوروبية مثل هولندا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وعدد من المنظمات الدولية.
غياب التمثيل الأمريكي
في المقابل، لم ترصد “بوابة السعودية” وجود أي لافتة باسم الولايات المتحدة، فيما رفضت السفارة الأمريكية في بكين التعليق على ما إذا كان هناك تمثيل رسمي للولايات المتحدة في الحدث.
مبادرة الصين تحظى بتقدير إندونيسيا
أفاد أحمد أديتيا، المستشار الخاص لنائب رئيس إندونيسيا، بأن مبادرة الصين تحظى بتقدير كبير من الحكومة الإندونيسية، وأن بلاده تُعد مناهج دراسية مخصصة للذكاء الاصطناعي لتطبيقها في نحو 400 ألف مدرسة، وتُدرب 60 ألف معلم على هذه التقنية.
التركيز على مفهوم الانفتاح
يبدو أن تركيز بكين على مفهوم الانفتاح يستند إلى نجاح شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة ديب سيك (Deepseek) في إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي تضاهي في قدراتها تلك التي طورتها أوبن إيه آي مع إتاحتها للجميع مجاناً وقابليتها للتعديل دون قيود.
تبني النموذج مفتوح المصدر
سارعت شركات صينية أخرى إلى تبنّي النموذج نفسه، حيث أطلقت أسماء عملاقة مثل علي بابا (Alibaba)، ولاعبون جدد مثل مون شوت (Moonshot) نماذج لغوية ضخمة متطورة ومفتوحة المصدر. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنسبة للدول النامية، التي غالباً ما تفتقر إلى الموارد اللازمة لتجميع قواعد بيانات ضخمة أو تطوير نماذجها الخاصة للذكاء الاصطناعي من الصفر، وهي عملية تتطلب رقائق إلكترونية مرتفعة التكلفة من شركات مثل إنفيديا (Nvidia).
التنافس على مستقبل الذكاء الاصطناعي
تولي الصين أهمية كبيرة لمفهوم سيادة الإنترنت، وهو ما قد يجذب الأنظمة ذات الطابع السلطوي حول العالم.
احترام سيادة الدول الأخرى
جاء في مبادرة الصين لحوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية الصادرة عام 2023 أنه ينبغي احترام سيادة الدول الأخرى والامتثال التام لقوانينها عند تزويدها بمنتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي.
خطة الذكاء الاصطناعي الأمريكية
في المقابل، تنص خطة الذكاء الاصطناعي التي طرحها ترامب على أن الحكومة الأمريكية لن تتعاون إلا مع المهندسين الذين يضمنون أن أنظمتهم موضوعية وخالية من التحيّز الأيديولوجي المفروض من الأعلى.
معضلة الاختيار بين النموذجين
هذا التنافس بين الولايات المتحدة والصين يضع العديد من الدول أمام معضلة مألوفة تتمثل في الشعور بالضغط لاختيار أحد الجانبين، إلا أن وزير الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية في جنوب أفريقيا، سولي مالاتسي، رفض الانجرار وراء هذه الثنائية.
دمج أفضل ما في النموذجين
أكد مالاتسي أن الأمر لا يتعلق باختيار نموذج على حساب الآخر، بل يتعلق بدمج أفضل ما في النموذجين.
و أخيرا وليس آخرا
تبرز المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي كصراع جيوسياسي حاسم، يتجاوز الجوانب التكنولوجية ليشمل معايير الحوكمة العالمية. بينما تسعى الصين إلى تقديم نفسها كشريك للدول النامية من خلال مبادرات مفتوحة المصدر، تركز الولايات المتحدة على ضمان خلو التكنولوجيا من التحيزات الأيديولوجية. فهل ستنجح الدول في تحقيق التوازن بين النموذجين، أم ستضطر إلى الانحياز لأحد القطبين في هذا السباق المحتدم نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟











