قرية التهيمية: جوهرة الأحساء التاريخية والثقافية والأثرية
تقبع قرية التهيمية كشاهد حي على عراقة المنطقة الشرقية، متجذرة في الأحساء تحت سفح جبل الشبعان، ومجاورة لجبل القارة. هذه القرية ليست مجرد بقعة على الخريطة، بل هي مهد للعديد من العلماء والمفكرين، وتحمل في طياتها تاريخًا يعود إلى قرون مضت.
عراقة التهيمية في سطور التاريخ
تعود جذور القرية إلى الحقبة العثمانية، أي قبل أكثر من 800 عام. اكتسبت القرية طابعًا اجتماعيًا فريدًا، يتميز بتنوع سكانها وموقعها الاستراتيجي. اشتهرت التهيمية بكثرة المساجد الأثرية، حتى أنها كانت تُعرف بقرية “الأربعين مسجدًا” في القرنين الثامن والتاسع الهجريين.
منارة العلم والعلماء
كانت التهيمية في الماضي مركزًا علميًا بارزًا، حيث اجتمع فيها كبار العلماء، منهم الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي. يُروى أنه في عهد ابن أبي جمهور، كان يوجد أربعون عالمًا بارزًا يقيمون الجماعة في أربعين مسجدًا، مما يعكس أهمية القرية كمركز ديني وثقافي. من بين المساجد البارزة: مسجد التهيمية الشرقي، ومسجد التهيمية الغربي، ومسجد الوسطي، ومسجد الرسول الأعظم، والمسجد الأحمر، ومسجد الزهراء، ومسجد زين العابدين.
بصمات الماضي وآثار الحاضر
تؤكد الوثائق التاريخية أن التهيمية كانت قرية زراعية منتجة في سنة 979 هجرية، بفضل أنهارها وجداولها المائية الوفيرة كنهر الشيباني والجرواني. في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، عُرفت بقرية “الأربعين مسجدًا” لكثرة مساجدها، ولكن لم يتبق منها سوى 11 مسجدًا، بعضها مهجور ومتهدم. تشير الوثائق أيضًا إلى أن القرية كانت مقرًا لحامية لواء التيمية، حيث بُنيت قلعة محصنة بجبل الشبعان (جبل القارة حاليًا)، ولا تزال آثار أسوار القلعة باقية حتى اليوم. كان سكان التهيمية يبنون بيوتهم من صخور الجبل، ويسقفون الجدران بسعف النخيل.
أسباب الهجرة وتراجع الزراعة
تتميز أرض التهيمية بتنوع تضاريسها، فهي عبارة عن هضبة صخرية في جانب، وأرض مستوية مليئة بالنخيل في جانب آخر. هذا الوضع الطبيعي ربما كان سببًا في نزوح الأهالي وترك القرية، بسبب تدني الزراعة التي كانت تعتمد عليها القرية، بالإضافة إلى التحاق الكثيرين بوظائف حكومية وأهلية أو في شركة أرامكو في أماكن أخرى.
التهيمية في كتب التاريخ
يذكر كتاب “تحفة المستفيد في تاريخ الأحساء القديم والجديد” لابن عبدالقادر أن التهيمية منسوبة إلى بني تيم اللات بن ثعلبة بن بكر بن وائل. وذكرها المؤرخ لوريمر، وقدر منازلها بنحو 255 منزلاً. كانت القرية تُنسب في العصور السابقة لبني تيم بن ثعلبة، ولكنها اليوم مهجورة، ولم يبق منها سوى أطلال.
التهيمية اليوم
تبلغ مساحة الجزء المهجور من التهيمية حوالي 11 هكتارًا، فيما يحوي الجزء المأهول 80 منزلاً، ويقطنها قرابة 1000 نسمة. القرية هي مسقط رأس الفيلسوف والمتكلم والفقيه الأصولي المحدث الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي، صاحب المؤلفات الكثيرة والمتنوعة في كل العلوم الإسلامية، الذي ولد في القرن التاسع الهجري سنة 838 هجرية، وكذلك الشيخ البويهي وغيرهم من العلماء.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الرحلة عبر تاريخ قرية التهيمية، نجد أنفسنا أمام إرث عظيم يمتد عبر القرون. من مساجدها الأثرية إلى علمائها الأجلاء، تظل التهيمية شاهدًا على عراقة الأحساء وأصالتها. يبقى السؤال: كيف يمكننا الحفاظ على هذا الإرث الثقافي والتاريخي للأجيال القادمة؟











