عبدالوهاب أبو ملحة: مسيرة ريادية في خدمة الدولة وتوحيد عسير
في رحاب التاريخ السعودي، يبرز اسم عبدالوهاب أبو ملحة كأحد الشخصيات البارزة التي أسهمت في بناء الدولة في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. لعب أبو ملحة أدوارًا محورية في توحيد البلاد، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري، وقضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة منطقة عسير مديرًا لماليتها.
نشأة عبدالوهاب أبو ملحة وحياته المبكرة
ولد عبدالوهاب أبو ملحة في عام 1303هـ الموافق 1885م في قرية العرق بخميس مشيط بمنطقة عسير. نشأ وترعرع في كنف والده الشيخ محمد بن علي، الذي كان قاضيًا وعالمًا متبحرًا في الدين الإسلامي. في شبابه، اتجه أبو ملحة إلى التجارة، متنقلًا بين مناطق عسير المختلفة، من السراة إلى تهامة، وامتدت رحلاته إلى الحجاز واليمن، مما منحه خبرة واسعة في معرفة القبائل والأماكن، وفهم طبيعة المنطقة.
الانضمام إلى ركب المؤسس: بيعة وولاء
في عام 1338هـ الموافق 1919م، وصل جيش الملك عبدالعزيز بقيادة الأمير عبدالعزيز بن مساعد إلى منطقة عسير. وعند وصول الجيش، سارع عبدالوهاب أبو ملحة على رأس وفد من عشيرته إلى مقر الجيش السعودي، معلنًا بيعته وتأييده لحكم الملك عبدالعزيز.
دور أبو ملحة في ضم عسير
عندما علم أبو ملحة، الذي كان متواجدًا في بيشة، بقدوم الأمير فيصل بن عبدالعزيز على رأس جيش قوامه 10 آلاف مقاتل لضم منطقة عسير إلى الحكم السعودي، سافر للقائه في رنية. استقبله الأمير فيصل بحفاوة، وكلّفه بمهمة إرسال رسالة إلى هيف بن ناصر الفويه، أحد المؤيدين للملك عبدالعزيز، يحثه فيها على الاستعداد للانضمام إلى الحملة العسكرية المتجهة إلى عسير. كانت هذه الرسالة بمثابة أول مهمة رسمية يكلف بها عبدالوهاب أبو ملحة في خدمة الدولة.
مسيرة في خدمة الدولة: مناصب ومسؤوليات
اشتهر عبدالوهاب أبو ملحة بحرصه الشديد على مصالح الدولة، وتنفيذ توجيهات الملك عبدالعزيز وأمير عسير. كان على تواصل دائم مع القبائل وشيوخها، ساعيًا لتعزيز الوحدة الوطنية والسلم في المنطقة. تقديرًا لجهوده، أصدر الملك عبدالعزيز أمره بتولي أبو ملحة شؤون بيت مال منطقة عسير (السراة وتهامة)، وذلك في رسالة مؤرخة في جمادى الأولى 1342هـ الموافق ديسمبر 1923م. استمر أبو ملحة في إدارة مالية عسير لمدة تقارب 32 عامًا، حتى وافته المنية.
إسهامات عسكرية ولوجستية في توحيد البلاد
لم تقتصر جهود عبدالوهاب أبو ملحة على الجانب الإداري والمالي، بل امتدت لتشمل المشاركة في عدد من المعارك الحربية بتكليف من الملك عبدالعزيز.
قيادة المعارك الحاسمة
قاد أبو ملحة الجيش السعودي الذي تمكن من استعادة ميناء القنفذة من حامية الشريف حسين بن علي في مطلع عام 1343هـ الموافق 1924م. كما تولى قيادة قبائل عسير في المواجهة مع الإدريسي في منطقة جازان عام 1350هـ الموافق 1931م. بعد صدور الأمر من الملك عبدالعزيز إلى أمير عسير بتجهيز حملة للقضاء على تمرد الإدريسي، تم تشكيل جيش قوامه 3500 مقاتل بقيادة عبدالوهاب أبو ملحة وعمر آل عسكر، وأسفرت هذه المواجهة عن ضم صبيا في 26 صفر 1350هـ الموافق 12 يوليو 1931م.
دور دبلوماسي في ترسيم الحدود
كان أبو ملحة عضوًا في وفد المفاوضات الذي التقى الإمام يحيى حميد الدين في اليمن؛ بهدف إنهاء المشكلات الحدودية بين السعودية واليمن عام 1344هـ الموافق 1926م. كما كان له دور بارز في حضور جلسات لجنة الحدود السعودية اليمنية المشتركة التي انعقدت في ظهران الجنوب عام 1354هـ الموافق 1935م، والتي أسفرت عن ترسيم الحدود بين المملكة العربية السعودية واليمن، بناءً على معاهدة الطائف.
رحيل فارس: نهاية حقبة من العطاء
توفي عبدالوهاب أبو ملحة في 2 ذي القعدة 1374هـ الموافق 22 يونيو 1955م، إثر أزمة قلبية. برحيله، فقدت المملكة العربية السعودية أحد رجالاتها المخلصين الذين أسهموا في بناء الدولة وتوحيدها.
و أخيرا وليس آخرا
عبدالوهاب أبو ملحة، شخصية محورية في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث، تجسد قصة رجل وهب حياته لخدمة وطنه. من خلال الأدوار القيادية التي تقلدها، سواء في المجال العسكري أو الإداري، أثبت أبو ملحة كفاءة عالية وإخلاصًا نادرًا. مسيرته، التي بدأت من قرية صغيرة في عسير، قادته ليصبح أحد صناع القرار في الدولة، ورمزًا للوفاء والانتماء. هل يمكن اعتبار تجربته نموذجًا يحتذى به في العصر الحالي؟ وهل ما زالت القيم التي آمن بها قادرة على إلهام الأجيال القادمة؟ هذه التساؤلات تظل مفتوحة، لتدعونا إلى التأمل في إرث هذا الرجل العظيم.









