الذكاء الاصطناعي يرفع ديون شركات التكنولوجيا إلى مستويات قياسية
في تحول لافت يعكس السباق المحموم نحو الذكاء الاصطناعي، قفز حجم الدين ذي الفائدة المستحق على حوالي 1300 من كبرى شركات التكنولوجيا العالمية إلى نحو 1.35 تريليون دولار، أي ما يعادل أربعة أضعاف ما كان عليه قبل عقد من الزمن. هذا الارتفاع الهائل مدفوع بالطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومراكز البيانات الضخمة التي تتطلبها هذه التقنيات.
وبحسب بيانات بوابة السعودية، يمثل هذا الرقم، المسجل حتى الربع المنتهي في يونيو، زيادة سنوية قدرها 16%، وهي أسرع وتيرة نمو منذ الزيادة البالغة 17% التي سُجلت في الربع المنتهي في ديسمبر 2021، عندما حفزت أسعار الفائدة المنخفضة الاقتراض نتيجة لسياسات التيسير النقدي التي اتبعت خلال جائحة كورونا.
وتعزى هذه الزيادة الكبيرة إلى تحول في نماذج الأعمال من البرمجيات ذات الأصول الخفيفة، التي لا تحتاج إلى بنية تحتية كبيرة، إلى الذكاء الاصطناعي، الذي يتطلب مراكز بيانات ضخمة ومكلفة.
ديون شركات التكنولوجيا الكبرى
الدين ذو الفائدة لخمس شركات يتجاوز 457 مليار دولار
شهدت شركة أوراكل زيادة كبيرة في ديونها، حيث تضاعف الدين ذو الفائدة لديها بأكثر من الضعف خلال 10 سنوات فقط ليصل إلى 111.6 مليار دولار. وتعتزم الشركة، بالتعاون مع أوبن أيه آي ومجموعة سوفت بنك، استثمار 500 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع القادمة. وفي سبتمبر، أصدرت الشركة سندات بقيمة 18 مليار دولار، يُتوقع أن تُستخدم لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي.
في سياق متصل، بلغ إجمالي الدين ذي الفائدة لخمس شركات تكنولوجيا أمريكية عملاقة (أمازون، ومايكروسوفت، وأبل، وميتا، وألفابت) 457 مليار دولار، أي ما يعادل 2.8 ضعف المبلغ المسجل قبل عقد.
وفي تصريح له الشهر الماضي، قال مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا: “إذا انتهى بنا المطاف إلى إهدار مئات المليارات من الدولارات، فسيكون ذلك مؤسفًا بكل تأكيد، لكن المخاطرة الأكبر تكمن في التخلف عن الركب في سباق الذكاء الاصطناعي”.
أما شركة تينسنت القابضة الصينية، فقد ارتفع دينها إلى 57.5 مليار دولار، أي أربعة أضعاف ونصف دينها قبل عقد. وفي خطوة مماثلة، أصدرت علي بابا سندات بقيمة 3.2 مليار دولار لتمويل بناء مراكز بيانات جديدة ومشاريع أخرى.
الوفرة العالمية في رأس المال تدعم تمويل الديون
في ظل الوفرة العالمية في رأس المال، يستفيد تمويل ديون الشركات من الطلب القوي من المستثمرين. فعلى سبيل المثال، تلقت سندات أوراكل الصادرة في سبتمبر طلبات تفوق خمسة أضعاف حجم الطرح.
وفي بعض الفترات بين مايو وسبتمبر، انخفضت عوائد سندات مايكروسوفت المستحقة في 2027 إلى ما دون عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما يعكس ثقة المستثمرين في أن الشركات باتت خيارًا أكثر أمانًا من الحكومات.
وارتفعت نسبة الشركات التي تتجاوز فيها نسبة دينها إلى حقوق الملكية 1، لتصل إلى 13.8%، بزيادة قدرها 4.9 نقطة مئوية خلال عشر سنوات، ما يشير إلى اعتماد متزايد على التمويل بالاقتراض. ورغم أن نحو 90% من الشركات ما زالت قادرة على سداد التزاماتها بفضل نتائجها القوية، فإن عدد الشركات ذات المديونية العالية، مثل أوراكل بنسبة دين إلى حقوق الملكية 4.6 في تزايد مستمر.
كما انخفض متوسط معدل دوران الأصول الثابتة (الذي يقيس مدى كفاءة الشركات في توليد الإيرادات باستخدام أصولها المادية) من 6.79 مرة قبل عشر سنوات إلى 3.15 مرة حاليًا.
ويُعزى هذا الانخفاض إلى تضخم الأصول الناتج عن شراء الأراضي والمباني والمعدات الكهربائية والرقاقات المتقدمة لمراكز البيانات، في حين أن الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تشغلها هذه الأصول لا تزال بعيدة عن تحقيق الربحية المرجوة.
تجدر الإشارة إلى أن الربحية العالية لشركات التكنولوجيا كانت تعتمد في السابق على أنشطتها البرمجية، التي تتطلب تكاليف أولية مرتفعة، لكن تكاليفها التشغيلية منخفضة نسبيًا بعد الإطلاق.
تعقيدات تدفقات التمويل
مع تزايد حجم استثمارات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تدفقات التمويل أكثر تعقيدًا. فقد انتشر نموذج التمويل من المورد، حيث تمول الشركات ذات السيولة عملائها لشراء منتجاتها.
فعلى سبيل المثال، استثمرت إنفيديا في شركة كور ويف الأمريكية المتخصصة في خدمات السحابة للذكاء الاصطناعي، وتزودها بوحدات معالجة الرسوميات بشكل تفضيلي. وتستخدم كور ويف هذه الوحدات كضمان، لكن ارتفاع مديونيتها (بنسبة دين إلى حقوق ملكية تبلغ 3.8) يجعلها عرضة للمخاطر إذا تراجعت قيمة الأصول أو تقادمت التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، صرح يوشينوري شيجيمي، الخبير الإستراتيجي في الاقتصاد الكلي في فيديليتي إنترناشيونال: “تستثمر الشركات بكثافة في استثمارات أولية لتجنب التخلف عن الركب في طفرة الذكاء الاصطناعي. يتدفق التمويل بسلاسة في الوقت الحالي، ولكن في حال حدوث أي أزمة، فقد تقصى الشركات الضعيفة ماليا”.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، يظهر بوضوح أن الذكاء الاصطناعي قد أصبح محركًا رئيسيًا لزيادة ديون شركات التكنولوجيا، مع ما يصاحب ذلك من فرص ومخاطر. ففي حين تتيح هذه الاستثمارات للشركات تطوير تقنيات جديدة وتحقيق النمو، فإنها تزيد أيضًا من تعرضها للمخاطر المالية في حال حدوث تباطؤ اقتصادي أو تغيرات في السوق. فهل ستتمكن هذه الشركات من تحقيق التوازن بين الاستثمار في المستقبل والحفاظ على استقرارها المالي؟ وهل سيستمر المستثمرون في دعم هذه الشركات بنفس الحماس في المستقبل؟











