تفعيل منظومة المصالحة: مبادرة رائدة نحو حل النزاعات في السعودية
في سياق سعيها الدائم نحو تطوير آليات العدالة، أطلقت وزارة العدل في المملكة العربية السعودية مبادرة تفعيل منظومة المصالحة، لتكون إضافة نوعية في مجال حل النزاعات بوسائل بديلة. تهدف هذه المبادرة إلى إحداث تحول جذري في تقديم الخدمات العدلية، وتعزيز ثقافة المصالحة والوساطة في المجتمع، لتصبح خيارًا اجتماعيًا واقتصاديًا فعالًا لتسوية مختلف أنواع النزاعات، سواء كانت مالية، أسرية، تجارية، هندسية، عقارية، طبية، أو مصرفية، وغيرها من القضايا التي تنشأ بين الأفراد والاعتباريين.
أهداف مبادرة تفعيل منظومة المصالحة
ترتكز مبادرة تفعيل منظومة المصالحة على مجموعة من الأهداف الطموحة، تشمل تطوير آليات وإجراءات تنفيذية وتشريعية مستدامة، بالإضافة إلى تأهيل الكفاءات البشرية والرقمية القادرة على دعم هذه المنظومة. تسعى المبادرة إلى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ورفع كفاءة المنظومة العدلية، مع الحفاظ على العلاقات الإيجابية بين أطراف النزاع، استنادًا إلى مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة.
تعزيز التماسك الأسري والمجتمعي
من بين الأهداف الرئيسية للمبادرة تعزيز التماسك المجتمعي وتحقيق الاستقرار الأسري، وذلك عن طريق الحد من حالات الطلاق والنزاعات الأسرية التي تؤثر سلبًا على النسيج الاجتماعي.
التعاون مع جمعية المودة للتنمية الأسرية
وقعت وزارة العدل اتفاقية تعاون مع جمعية المودة للتنمية الأسرية، بهدف تفعيل وتشغيل منظومة المصالحة وفقًا لمعايير الوزارة وأنظمتها الإلكترونية. يهدف هذا التعاون إلى إنهاء النزاعات من خلال إيجاد حلول بديلة بمساعدة مصلحين متخصصين ومؤهلين. الجدير بالذكر أن جمعية المودة للتنمية الأسرية، بالشراكة مع أوقاف الشيخ محمد بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية، ساهمت في حل نزاعات لأكثر من 46 ألف حالة في سبع محافظات، بفضل مختصين مدربين وفقًا لـ 130 معيارًا ومؤشرًا وظيفيًا.
جهود وزارة العدل لتفعيل منظومة المصالحة
برنامج “المصلح المؤهل”
أطلقت وزارة العدل برنامجًا تدريبيًا تحت عنوان “المصلح المؤهل”، يستهدف مصلحي المحاكم ويهدف إلى تدريبهم من خلال ورش عمل تركز على الجوانب التطبيقية والعملية. تتضمن الورش تطبيقات محاكاة لقضايا واقعية وافتراضية، بالإضافة إلى مناقشات تفاعلية تساهم في تنمية مهارات المتدربين، وفقًا لمعايير وممارسات عالمية لتطبيقها على النزاعات المحلية. يشارك في تقديم هذا البرنامج مدربون عالميون متخصصون في مجال الوساطة والمصالحة، للاستفادة من خبراتهم العالمية، وذلك بالشراكة مع مكاتب الوساطة الأمريكية والأوروبية. وقد استمرت الدورة الأولى من البرنامج لمدة ثمانية أيام في مدينة الخبر، واستهدفت نحو 20 مصلحًا من سفراء المصالحة في محاكم المملكة.
مركز المصالحة ومنصة “تراضي”
تسعى وزارة العدل إلى تعزيز ثقافة الصلح في المجتمع من خلال مركز المصالحة، الذي يقدم خدماته عبر منصة تراضي الرقمية. تهدف المنصة إلى أن تكون بديلًا اجتماعيًا واقتصاديًا لتسوية النزاعات، وذلك ضمن إجراءات مؤسسية وتشريعات معتمدة، وبمساعدة مصلحين مؤهلين. تجمع منصة تراضي أطراف الدعوى، ومصلحي وزارة العدل، والمصلحين المسجلين، بهدف عقد لقاءات افتراضية أو واقعية للمصالحة، والتوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف، وذلك من خلال إجراءات مؤتمتة بالكامل.
توفر منصة تراضي الوقت والجهد على المستفيدين، حيث تغنيهم عن الحضور إلى مكاتب الصلح التقليدية. كما تمكنهم من الاطلاع على طلباتهم ووثائقهم إلكترونيًا، وتتيح للمصلحين متابعة أعمالهم وجدولة طلباتهم ومواعيدهم، وإصدار الوثائق والسندات التنفيذية إلكترونيًا، بالإضافة إلى توفير مكاتب افتراضية للكيانات الشريكة في مشروع المصلح المسجل بمختلف التخصصات.
وأخيرا وليس آخرا
تُعد مبادرة تفعيل منظومة المصالحة خطوة مهمة نحو تطوير منظومة العدالة في المملكة العربية السعودية، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح في المجتمع. فهل ستنجح هذه المبادرة في تحقيق أهدافها الطموحة، وتصبح نموذجًا يحتذى به في المنطقة؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.











