تطور المهارات الحركية لدى الأطفال: نظرة شاملة
لا تزال ذكرى فرحة صديقتي محفورة في ذهني، عندما لاحظت قدرة طفلها على الجلوس في الشهر السادس من عمره. على الرغم من أن الجلوس ليس أول مهارة حركية يكتسبها الطفل، فالتحكم بالرأس يسبقه في عمر 3 إلى 4 أشهر، ثم الزحف بين 8 إلى 10 أشهر، والوقوف بمساعدة في عمر 10 إلى 12 شهرًا. أما المشي بمفرده، فيبدأ عادةً بين 12 و 18 شهرًا، وهي لحظة سعادة غامرة للوالدين.
بالإضافة إلى ذلك، تتطور لدى الطفل مهارات حركية دقيقة، مثل القدرة على حمل الأشياء في عمر 4 أشهر، ونقلها من يد إلى أخرى بين 6 إلى 8 أشهر، واللعب بالألعاب الصغيرة بين 8 إلى 10 أشهر. ومع ذلك، لكل طفل معدل نمو خاص به، وقد يختلف موعد المشي من طفل لآخر. هناك عوامل متعددة تؤثر في تطور المهارات الحركية، سنتناولها في هذا المقال، لفهم أسباب التأخر وكيفية علاجه.
النمو الحركي للطفل وتأخره
ما هو النمو الحركي؟
النمو الحركي للطفل هو عملية معقدة تتضمن مراحل مختلفة، يتم فيها تنسيق حركة العضلات والعظام والجهاز العصبي. تظهر المهارات الحركية وفق تسلسل طبيعي يشير إلى نمو سليم للطفل.
ماذا يعني تأخر النمو الحركي؟
في حال تأخر نمو المهارات الحركية عن المعدل الطبيعي، يجب البحث عن الأسباب والعلاج. ينتج تأخر المهارات الحركية عن عدم قدرة الطفل على تنسيق حركة العضلات الكبيرة (الإجمالية) الموجودة في الذراعين أو الساقين مع العضلات الصغيرة (الدقيقة) في اليدين. يظهر ذلك في التدحرج، الزحف، أو المشي، مما يجعل الطفل يبدو أخرق إذا لم يتمكن من القيام بهذه السلوكيات في الوقت المناسب مقارنة بأقرانه. قد يظهر التأخر مبكرًا، مثل صعوبة مسك الأشياء الصغيرة أو الجلوس.
أسباب تأخر المهارات الحركية عند الأطفال
توجد عدة أسباب تؤدي إلى تأخر المهارات الحركية، وأبرزها:
الأسباب العضوية
1. الضمور العضلي:
مرض يصيب العضلات ويجعلها ضعيفة، مما يؤدي إلى صعوبة في استخدام العضلات الصغيرة والكبيرة. يوجد أنواع مختلفة من الضمور العضلي، والطفل معرض للإصابة به.
2. التشوهات الخُلُقية:
تشوهات يولد بها الطفل في جزء معين من الجسم، وتؤثر في كيفية استخدام الطفل لعضلاته في ذلك المكان.
3. إصابات الدماغ:
إصابات الدماغ تلعب دوراً هاماً في التأخر الحركي. التعرض لحادث أو ضربة قوية أو شلل دماغي قبل أو أثناء أو بعد الولادة، قد يسبب صعوبة في الجلوس، الوقوف، أو المشي. كذلك، النزيف في الأوعية الدموية للدماغ أو التهاب السحايا.
4. العوامل الوراثية:
في كثير من الحالات، يعود سبب تأخر النمو إلى عوامل وراثية. تلعب الجينات دوراً في نمو الدماغ والعضلات وقوتها وتنسيق الحركة. قد تحدث طفرات جينية تحد من تطور المهارات الحركية، مثل متلازمة داون.
5. أسباب عضوية قبل الولادة:
تشمل ما تتعرض له الأم خلال الحمل، مثل النزيف، السكري، ارتفاع ضغط الدم، أو تعاطي المخدرات والكحوليات.
6. أسباب عضوية في أثناء الولادة:
الظروف التي تلد فيها الأم والحالة الصحية تؤدي دوراً هاماً في نمو الطفل لاحقاً. الولادة المبكرة ونقص الأكسجين في مخ الطفل أو عدم اكتمال الرئة يمكن أن يؤديا إلى تأخر المهارات الحركية.
الأسباب غير العضوية
1. نقص التغذية:
نقص التغذية أو تناول طعام غير صحي يؤدي إلى نقص في الفيتامينات والعناصر الهامة، مثل فيتامين د الضروري لامتصاص الكالسيوم، مما يؤثر في صحة العضلات والعظام.
2. الإهمال:
إهمال الطفل وعدم تقديم المساعدة له وتعليمه كيفية المشي أو الوقوف يؤدي إلى تراجع مهارات الطفل الحركية. وينطبق الأمر نفسه على الأطفال الذين يحظون بحرص مبالغ فيه، حيث تبقي الأم طفلها في حضنها لفترات طويلة. يشمل ذلك أيضاً عدم الرعاية الصحية للطفل، مثل الالتزام باللقاحات.
3. الحياة الاجتماعية:
يؤثر المحيط الذي يعيش فيه الطفل تأثيراً كبيراً في المهارات الحركية وتطورها. إذا عُزل الطفل عن الآخرين ولم يُمنح فرصة الاختلاط مع أطفال آخرين، يصبح تطوره الحركي بطيئاً جداً.
علامات تنذر بحدوث تأخر في المهارات الحركية عند الطفل
يمكن للأم ملاحظة بعض العلامات التي تشير إلى تأخر التطور الحركي، منها:
- البكاء الشديد نتيجة صعوبة الرضاعة أو البلع.
- الانتباه القليل لمثيرات الانتباه السمعية والبصرية.
- عدم تماشي التطور الحركي مع الفئة العمرية والمرحلة التي يعيشها الطفل.
- الشعور بارتخاء في أعضاء الجسم، وخاصة القدمين واليدين.
علاج تأخر المهارات الحركية عند الأطفال
الاكتشاف المبكر يجعل العلاج أسهل. عموماً، تقتصر طرق العلاج على:
العلاج الدوائي
يختلف العلاج الدوائي باختلاف المرحلة العمرية للطفل ودرجة تأخر المهارات الحركية مقارنة بالفئة العمرية. يسبق العلاج الدوائي تشخيص دقيق لحالة الطفل لتحديد حالة الأعصاب والمخ والعظام والتأكد من عدم معاناته من أمراض معينة.
غالباً يعتمد العلاج على تعويض الطفل عن الفاقد من العناصر والفيتامينات الضرورية، مثل فيتامين د وفيتامين ب والكالسيوم والحديد، وإضافة المقويات التي يحتاج إليها الطفل لتنمية الأعصاب والعظام والعضلات نمواً مثالياً.
العلاج الطبيعي
هو مسؤولية الآباء الرئيسة، ويساهم العلاج الطبيعي في إحراز تقدم واضح. يمكن تطبيق هذه التعليمات في الحالة الطبيعية لمنع تعرض الطفل لأي تأخر لاحقاً، ويشمل العلاج الطبيعي للطفل ما يأتي:
1. اللعب مع الطفل:
توجد نشاطات وألعاب عديدة تستخدم في تطوير مهارات الطفل البدنية وتختلف باختلاف المرحلة العمرية. عموماً، اللعب مع الطفل يساعد على تنمية مهاراته اللغوية والاجتماعية والحركية، سواءً كان يلعب مع أبويه أم مع أطفال آخرين.
2. تقليل الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة إلى أقل حد ممكن:
ويشمل ذلك الوقت الذي يقضيه الطفل في مشاهدة التلفاز أو اللعب بألعاب الفيديو أو بألعاب الهاتف المحمول. يجب ألا يزيد الوقت عن ساعة يومياً ويفضل أن تكون متقطعة.
3. التغذية الجيدة:
تقديم الطعام الصحي للطفل مهمة لا يجب التقليل من أهميتها في مختلف الحالات. يمكن الاستعانة بالإنترنت أو بالأطباء للاستعلام عن أهم الأغذية التي يجب تقديمها للطفل في كل مرحلة عمرية.
4. التواصل الدائم مع الرعاية الصحية:
يجب إخبار المسؤول عن وضع الطفل بكافة التغيرات أو التطورات التي تحدث، ليقدم لك أفضل النصائح المساعدة على نمو المهارات الحركية لدى طفلك.
استخدام أجهزة مساعدة وتعويضية
في حال كان الطفل يعاني من تشوهات خُلُقية أو مشكلة عضوية في جسده، يمكن الاستعانة بأجهزة وأدوات طبية تحافظ على حالة العضلات وتمنع حدوث قصر في أوتار العضلات أو تحافظ على استقامة عموده الفقري أو ظهره أو يديه وقدميه.
الجراحة
في بعض الحالات لا تنفع الطرق العلاجية السابقة؛ لأن الحالة الصحية للطفل صعبة نوعاً ما، وهنا يكون الحل هو التدخل الجراحي لمعالجة تشوه العظام أو لإطالة الأوتار مثلاً، ويحدد ذلك أطباء العظام والمخ.
و أخيرا وليس آخرا
ينمو الطفل في مهاراته الحركية نمواً متسلسلاً وبترتيب يناسب المرحلة العمرية له، ولكن يتعرض بعض الأطفال إلى تأخر في المهارات الحركية نتيجة صعوبة في تنسيق حركة العضلات الصغيرة والكبيرة مع بعضها بعضاً. الأسباب وراء التأخر في المهارات الحركية متنوعة، منها أسباب عضوية كالتشوهات الخُلُقية أو العوامل الوراثية، ومنها أسباب غير عضوية مثل إهمال الطفل أو عزله عن الآخرين.
أما علاج تأخر المهارات الحركية عند الأطفال، فيختلف باختلاف الحالة الصحية للطفل؛ لذلك يبدأ بتشخيص حالة الطفل من قِبَل الأخصائيين. للمساعدة على نمو مهارات الطفل الحركية، يجب تطبيق علاج طبيعي على الطفل يشمل تغذية جيدة واللعب معه، وفي بعض الحالات يحتاج الطفل إلى جراحة أو أجهزة طبية مساعدة. عموماً التشخيص المبكر يساعد على التخلص من المشكلة بأسرع وقت، لذلك انتبه جيداً لطفلك. هل يمكن لأساليب التربية الحديثة أن تقلل من فرص تأخر النمو الحركي لدى الأطفال؟











