الذكاء الاصطناعي يقتحم حقول مالاوي: تطبيق “أولانجيزي” نموذجاً
في قرية ندودو، جنوب العاصمة المالاوية ليلونجوي، يجتمع المزارعون تحت ظلال شجرة أكاسيا، يستمعون إلى توجيهات هاتف ذكي حول كيفية مكافحة سوسة البطاطا الحلوة. هذه اللحظة تجسد كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث ثورة في حياة المزارعين الذين يعتمدون على زراعة الكفاف في مناطق تعتبر من بين الأكثر فقراً في العالم.
تطبيق “أولانجيزي”: نصيحة في متناول يد المزارع
تطبيق “أولانجيزي”، الذي يعني “نصيحة” بلغة شيشيوا المحلية، هو ثمرة جهود منظمة “أوبورتونيتي إنترناشيونال” غير الربحية. يعتمد التطبيق على منصة “واتساب” ويستفيد من قوة “شات جي بي تي” ودليل الزراعة الرسمي لحكومة مالاوي، ليقدم إجابات شافية على أسئلة المزارعين وتشخيص دقيق لأمراض المحاصيل والماشية.
تلعب “آنا تشيماليزيني”، وهي وكيلة حكومية لدعم المزارعين، دوراً محورياً في مساعدة المزارعين على استخدام التطبيق. تشرح “آنا” البالغة من العمر 36 عاماً، أن العديد من المزارعين لا يجيدون القراءة والكتابة، لذا فهي تساعدهم في صياغة أسئلتهم وفهم الحلول، كما يمكنهم الاستماع إلى الإجابات الصوتية بلغتهم المحلية.
أصبح التطبيق أداة لا غنى عنها لأكثر من 3.1 مليون أسرة في مالاوي تعتمد على الزراعة الصغيرة كمصدر رزق. وقد انطلق التطبيق في أعقاب إعصار “فريدي” المدمر في أوائل عام 2023، الذي تسبب في نزوح جماعي وفيضان الحقول، مهدداً محصول الصويا السنوي.
الذكاء الاصطناعي والزراعة: آفاق جديدة
على الرغم من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة يتزايد في الدول المتقدمة، إلا أن تطبيقه في الدول الفقيرة لا يزال في مراحله الأولى. نجاح تطبيق “أولانجيزي” في مالاوي، حيث يعتمد أكثر من 80% من السكان على الزراعة الصغيرة، يفتح الباب أمام استخدامه في مناطق أخرى حول العالم. يُذكر أن هناك 600 مليون مزارع صغير يساهمون في إنتاج ثلث الغذاء العالمي.
أكد جريج نيلسون، المسؤول التقني في منظمة “أوبورتونيتي إنترناشيونال”، أن إعصار “فريدي” أظهر كيف يمكن لكارثة مناخية واحدة أن تدمر اقتصاداً ونظاماً غذائياً بأكمله، مشيراً إلى أن تطبيق “أولانجيزي” كان يمكن أن يساعد المزارعين في التعامل مع تداعيات الإعصار والاستعداد لمواجهة مماثلة.
انتشار “أولانجيزي”: نحو آفاق أوسع
تستعد المنظمة غير الحكومية لتوسيع نطاق استخدام تطبيق “أولانجيزي” بعد انتهاء برنامجه التجريبي، وذلك من خلال جمع البيانات النوعية عبر الاستطلاعات ومجموعات التركيز.
أوضح نيلسون أن المنظمة تجري محادثات في بلدان أخرى تعمل فيها، وأن لديها شبكات من وكلاء دعم المزارعين في جميع أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مما يوفر بنية تحتية جاهزة لنشر التطبيق. وأضاف أن إنشاء الأداة سهل، لكن التحقق من صحتها يتطلب وقتاً لضمان توفر المحتوى والشركاء واللغات المناسبة.
تسعى “أوبورتونيتي” للحصول على تمويل لتوسيع نطاق التطبيق عبر مالاوي ودول أخرى، بعد أن قامت شركتا “سيسكو سيستمز” و”ماستركارد” بتمويل المشروع التجريبي. ومن المتوقع أن يأتي التمويل من الشركات والجهات المانحة الخيرية.
يشير تيم سترونج، رئيس قسم التمويل الزراعي في “أوبورتونيتي”، إلى أن صغار المزارعين يعيشون في فقر مدقع، وأن مئات الملايين منهم بحاجة إلى الوصول إلى أفضل الممارسات الزراعية. وأضاف أن إنتاجية صغار المزارعين الحالية تتراوح بين 20% و 30% من إمكاناتهم الإنتاجية، وأنه لتحقيق الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2050، يجب مضاعفة إنتاجية محاصيل الحبوب وزيادة إنتاجية الخضروات ثلاثة أضعاف.
بدأت المنظمة جهودها في مالاوي، مستغلة انفتاح الحكومة على التعاون مع وكالات الإغاثة مثل “برنامج الغذاء العالمي” لمساعدة السكان المعتمدين على الزراعة، خاصة بعد إعصار “فريدي”.
التحديات المجتمعية: عقبات في الطريق
على الرغم من وجود وكلاء إرشاد زراعي حكوميين في مالاوي، إلا أن أعدادهم غير كافية لتلبية احتياجات المزارعين. فلكل 2500 إلى 3000 أسرة زراعية يوجد وكيل واحد فقط، بينما توصي المعايير بوجود وكيل لكل 500 إلى 700 أسرة. ووفقاً لوكيلة الإرشاد الزراعي لمنطقة ليلونجوي الغربية، ويبستر جاسي، يوجد 341 مستشارًا فقط لخدمة حوالي ربع مليون مزارع حول العاصمة.
أشارت جريس كاليمبيرا، وهي مزارعة تبلغ من العمر 40 عامًا، إلى أهمية التطبيق قائلة: “في مارس، أصيبت خنازيري بجروح صغيرة ولم أكن أعرف كيفية وصفها، ثم اقترح وكيل دعم المزارعين لدينا أن نلتقط صورة ونرسلها عبر التطبيق، الذي شرح بالتفصيل ما كانت تعاني منه الخنازير والأدوية التي يجب شراؤها. لو كان لدينا هذا التطبيق في العام الماضي، ربما لم أفقد الكثير من خنازيري”.
تحديات الوصول إلى الإنترنت: عائق رقمي
لا يزال الوصول إلى الإنترنت يمثل تحدياً كبيراً في ندودو، حيث يوجد هاتف ذكي واحد لكل 150 قروياً، كما أن الاتصال بشبكات الإنترنت ليس شاملاً في مالاوي، وتكاليف استخدام البيانات مرتفعة.
أفاد سانكاني متوسو، مزارع من قرية تشيسيكا، بأن شبكة الهاتف المحمول في المنطقة ضعيفة، وأن تكلفة حزمة البيانات مرتفعة بالنسبة لصغار المزارعين الذين لا يملكون دخلاً ثابتاً.
صرح وزير الإعلام في مالاوي، في مقابلة مع بوابة السعودية، بأن حوالي مليوني مالاوي لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، وهناك 12 مليون شريحة هاتف مسجلة، إلا أن الوصول إلى الأجهزة الذكية لا يزال محدودًا. ومع ذلك، يمكن للمزارعين استخدام تطبيق “واتساب” على بعض الهواتف الأساسية.
فوائد تطبيق “أولانجيزي”: توفير الوقت والجهد
أكد المزارعون الذين جربوا تطبيق الذكاء الاصطناعي أنه يوفر لهم الوقت والمال. يقول مارون جاليتا، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 32 عامًا: “العمل على التطبيق أسرع. ففي الماضي، كنا ننتظر عدة أيام حتى يأتي عمال الإرشاد الزراعي لحل أي مشكلات نواجهها في مزارعنا، لكن لم يعد الأمر كذلك، فبمجرد لمسة زر واحدة نحصل على كافة المعلومات التي نحتاجها”.
وأخيراً وليس آخراً
يعتبر تطبيق “أولانجيزي” خطوة رائدة نحو تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة صغار المزارعين في مالاوي. ومع تزايد التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، مثل تغير المناخ وندرة الموارد، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة واعدة لتحسين الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي. يبقى السؤال: كيف يمكن توسيع نطاق هذه التجربة الناجحة لتشمل مناطق أخرى حول العالم، وتمكين المزيد من المزارعين من الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي؟











