تنمية الثروة السمكية في السعودية: رؤية نحو الاكتفاء الذاتي
يشير مفهوم تنمية الثروة السمكية في المملكة العربية السعودية إلى تطوير شامل لقطاع الأحياء المائية، سواء من خلال الاستزراع المائي أو المصايد البحرية. الهدف الأساسي هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسماك، وتلبية الطلب المحلي المتزايد على المنتجات البحرية، بالإضافة إلى تنويع مصادر الدخل ودعم الاقتصاد الوطني.
قطاع الأسماك في السعودية: نموذج للأمن الحيوي
يُعتبر قطاع الأسماك في المملكة من بين الأكثر تطبيقًا لمعايير الأمن الحيوي على مستوى العالم. في عام 2020، بلغ إجمالي الإنتاج المحلي من المأكولات البحرية حوالي 140 ألف طن، في حين وصل حجم الاستهلاك المحلي إلى 295 ألف طن، مما حقق نسبة اكتفاء ذاتي تقدر بـ 55% في مجال الأمن الغذائي. بلغت الواردات 215 ألف طن، بينما وصل إنتاج الاستزراع المائي المحلي إلى حوالي 80 ألف طن، مع تصدير 60 ألف طن. أما إنتاج المصايد البحرية المحلية في عام 2020، فقد بلغ نحو 60 ألف طن متري.
الاستزراع المائي في السعودية: قصة نجاح
البدايات والتطور
بدأ الاستزراع المائي في السعودية بإنشاء مركز أبحاث الثروة السمكية في جدة عام 1982. كان الهدف من هذا المركز هو دراسة الأنواع المحلية من الأسماك التي يمكن استزراعها، بالإضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشارات للمزارع المائية الناشئة.
نمو متسارع
يُعد قطاع الاستزراع السمكي من أسرع القطاعات الغذائية نموًا، حيث يسجل معدل نمو سنوي يبلغ 6%. تعمل وزارة البيئة والمياه والزراعة على تعزيز الكفاءة الإنتاجية والتسويقية للاستزراع المائي من خلال دعم إنشاء كيانات جديدة تضم مشاريع الاستزراع السمكي الصغيرة. في عام 2021، بلغ إجمالي المصيد من المصايد البحرية والاستزراع السمكي حوالي 177,264 طنًا.
إمكانات هائلة
تتمتع المملكة بموارد طبيعية غنية تمتد على طول ساحل يزيد طوله عن 2,600 كيلومتر، بالإضافة إلى قدرة استيعابية تقدر بـ 5 ملايين طن من الأسماك. تشتهر المملكة عالميًا بجودة منتجاتها التي تتماشى مع المعايير الدولية للأمن الحيوي، وتسعى جاهدة لحصول جميع الشركات العاملة في القطاع على شهادة أفضل ممارسات الاستزراع المائي (BAP).
تنوع الإنتاج
يجري استزراع مجموعة متنوعة من الأحياء المائية في المملكة، بما في ذلك الروبيان، والأسماك البحرية، وأسماك المياه العذبة، والطحالب البحرية. تضم مشاريع الثروة السمكية المرخصة 13 مزرعة متخصصة في الأسماك المالحة، و6 مزارع للروبيان، و136 مزرعة لأسماك المياه الداخلية، ومزرعة واحدة لأسماك الزينة.
أرقام وإحصائيات
وفقًا لإحصاءات وزارة البيئة والمياه والزراعة لعام 2019، تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لمزارع أسماك المياه المالحة 5,367.095 طنًا، ولمزارع أسماك الزينة 3 ملايين سمكة. تصل الطاقة الإنتاجية السنوية لمزارع أسماك المياه الداخلية إلى 9,217 طنًا، ولمزارع الروبيان 60,745.959 طنًا.
دور الجمعية الوطنية للاستزراع المائي
تعمل الجمعية الوطنية للاستزراع المائي جنبًا إلى جنب مع إدارة الثروة السمكية في وزارة البيئة والمياه والزراعة على تطوير الأنظمة والتشريعات والخطط اللازمة لضمان نجاح ونمو صناعة الاستزراع السمكي في المملكة. تشمل مهامها تهيئة صناعة الاستزراع المائي، وإجراء الدراسات البيئية، ومتابعة الالتزام البيئي للمشاريع، وتحفيز الكيانات التجارية للدخول في استثمارات مناسبة.
الأسماك المستزرعة في السعودية: أنواع وأهمية
الروبيان: نجم الاستزراع المائي
يُعد الروبيان من أهم الأنواع المستزرعة في المملكة، وينقسم إلى نوعين رئيسيين: الروبيان الغانمي، الذي أُدخل إلى المملكة في عام 2012، والروبيان الأبيض الهندي، الذي بدأ استزراعه بإنشاء أول مزرعة تجارية في عام 1997. في عام 2000، تأسست شركة الروبيان الوطنية، التي تُعتبر أكبر منتج للروبيان الأبيض في العالم.
الأسماك البحرية: تنوع وازدهار
تشمل الأسماك البحرية المستزرعة في المملكة عدة أنواع، أبرزها أسماك البراموندي التي استُزرعت في عام 1998، وأسماك الدنيس التي أُدخلت عام 2008، بالإضافة إلى أسماك السبيطي، والهامور، والسيجان، وأسماك البلطي البحري، وأسماك البوري العربي، وأسماك الحفش.
الاستزراع في المياه الداخلية في السعودية: فرص واعدة
أسماك المياه العذبة
تُشكّل أسماك المياه العذبة أهم الأنواع المستزرعة في مزارع المياه الداخلية، وتنتشر في مناطق مختلفة مثل الرياض والقصيم وحائل والمنطقة الشرقية ومكة المكرمة. تُعتبر أسماك البلطي النيلي الأكثر إنتاجًا بنسبة 98%، بالإضافة إلى إنتاج أنواع أخرى مثل أسماك الزينة والكافيار.
أنواع مستزرعة حديثًا
يُعد خيار البحر من الأنواع التي استُزرعت حديثًا في المملكة، حيث بدأ إنتاجه في عام 2013 ووصل إلى 90 طنًا سنويًا. بالإضافة إلى ذلك، يجري استزراع أنواع مختلفة من الطحالب البحرية، بما في ذلك الطحالب الدقيقة.
مشاريع وبرامج لتنمية الاستزراع المائي في السعودية
المجموعة الوطنية للاستزراع المائي (نقوا)
تُعتبر المجموعة الوطنية للاستزراع المائي (نقوا) أكبر المزارع البحرية المتكاملة في العالم، وهي متخصصة في إنتاج الجمبري والأسماك. تتلقى المجموعة الدعم من صندوق التنمية الزراعية، وتنتج سنويًا حوالي 100 ألف طن من المنتجات البحرية، وتُصدِّر الروبيان والأسماك وخيار البحر إلى حوالي 32 دولة حول العالم، بما في ذلك اليابان وكوريا والصين وأستراليا والولايات المتحدة.
البرنامج الوطني لمراقبة الأمن الحيوي
يضمن البرنامج الوطني لمراقبة الأمن الحيوي تغطية جميع مراحل الإنتاج للتأكد من خلو الأحياء المائية المستزرعة ومنتجاتها من أي مسببات مرضية، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المشاريع. يعمل البرنامج على منع دخول الأمراض، وتحسين صحة الكائنات المستزرعة، والحد من انتشار الأمراض، وزيادة ربحية المشاريع.
إحصائيات البرنامج
تشير إحصاءات البرنامج لعام 2018 إلى سحب أكثر من 22 ألف عينة، منها 13,349 عينة روبيان، و7,136 عينة أسماك، و1,423 عينة سرطان البحر، و164 عينة هوائم بحرية. تشمل مناطق جمع العينات خمس مناطق رئيسية: المدينة المنورة، وتبوك، ومكة المكرمة، وجازان، والمنطقة الشرقية.
المصايد البحرية في السعودية: قطاع حيوي
مهنة الصيد
تُعد المصايد البحرية من القطاعات المرتبطة بمهنة الصيد، وتشرف إدارة الثروة السمكية على جميع جوانبها، بما في ذلك الصيادين، ووسائط الصيد، والنزهة البحرية من حيث التصاريح، وأدوات الصيد المستخدمة، ومرافئ الصيد، ونقاط الإنزال.
إنتاج المصايد
وفقًا لإحصاءات إدارة الثروة السمكية، تنتج مصايد المملكة من البحر الأحمر والخليج العربي حوالي 70 ألف طن من الأسماك. يُساهم الخليج العربي بنسبة 63% من حجم الإنتاج، أي أكثر من 44,500 طن من الأسماك سنويًا، بينما يُساهم البحر الأحمر بنسبة 36%، أي حوالي 26,500 طن في العام.
أعداد المراكب والقوى العاملة
خلال الفترة من 2012 إلى 2021، وصل عدد مراكب صيد الأسماك في الخليج العربي إلى 2,133 مركبًا، وفي البحر الأحمر إلى 8,475 مركبًا تقليديًا و156 مركبًا صناعيًا، بإجمالي 10,764 مركبًا. وبلغ عدد القوى العاملة في صيد الأسماك، وفقًا لإحصاءات الوزارة لعام 2021، 30,019 فردًا، منهم 8,746 صيادًا، و3,700 صياد سعودي.
البنية التحتية
تضم المملكة 13 مرفأ لصيد الأسماك، بالإضافة إلى أربعة مرافئ قيد الإنشاء، وفيها 150 منفذًا لبيع الأسماك. تعمل وزارة البيئة والمياه والزراعة على ضمان استقرار أسعار البيع في هذه المنافذ.
برنامج جودة السمك (سمك SAMAQ)
لرفع الكفاءة الإنتاجية والتسويقية في قطاع الصيد، أُطلق في عام 2018 شعار جودة السمك (سمك SAMAQ)، وهو نظام وطني لإصدار شهادات الاستزراع المائي ووسم المنتجات.
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يظهر جليًا أن تنمية الثروة السمكية في المملكة العربية السعودية تمثل رؤية شاملة ومتكاملة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الأمن الغذائي. من خلال الاستثمار في الاستزراع المائي وتطوير المصايد البحرية، تسعى المملكة إلى تحقيق النمو المستدام في هذا القطاع الحيوي. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية مواجهة التحديات المستقبلية، مثل التغيرات المناخية وتأثيرها على البيئة البحرية، لضمان استدامة هذه الثروة للأجيال القادمة؟











