موازين القوى في واشنطن: الكونغرس يضيق الخناق على صلاحيات الحرب الرئاسية
تشهد العاصمة الأمريكية حراكاً تشريعياً مكثفاً يهدف إلى إحداث تغيير جوهري في كيفية اتخاذ قرارات النزاعات المسلحة، حيث يسعى أعضاء مجلس النواب بجدية لاستعادة صلاحيات الحرب التي كفلها لهم الدستور. وفي خطوة عكست حجم الضغوط البرلمانية، اضطر القادة الجمهوريون للتراجع عن مسودة قانون كانت تمنح البيت الأبيض تفويضاً عسكرياً واسعاً لمواجهة التهديدات الإيرانية، وذلك بعد استشعارهم بوادر هزيمة سياسية قاسية داخل أروقة المجلس.
لم يكن هذا التراجع مجرد إجراء روتيني، بل مثل مؤشراً حياً على صعوبة تمرير سياسات السلطة التنفيذية دون رقابة صارمة. إن اتساع الفجوة بين الإدارة والقاعدة التشريعية يعكس رغبة متزايدة في وضع حد للانفراد بقرارات التدخل العسكري الخارجي، وضمان خضوع أي تحرك دولي لموافقة ممثلي الشعب.
تحالفات عابرة للأحزاب تقوض هيمنة البيت الأبيض
تجاوزت الرغبة في كبح جماح السلطة التنفيذية الانتماءات الحزبية الضيقة، حيث تشكلت جبهة برلمانية عريضة ضمت ديمقراطيين وجمهوريين يطالبون بإعادة هيكلة صلاحيات الحرب. وبالتعاون مع النائب الديمقراطي جاريد غولدن، برزت مجموعة من النواب الجمهوريين المؤثرين الذين دفعوا باتجاه هذا الإصلاح، ومن أبرزهم:
- برايان فيتزباتريك.
- توماس ماسي.
- وارن ديفيدسون.
- توم باريت.
يشكل هذا التكتل العابر للأحزاب قوة ضاغطة تتجاوز قدرة الرئيس على المناورة باستخدام حق النقض “الفيتو”. إن هذه التحركات تبعث برسالة حازمة مفادها أن التفويضات العسكرية المفتوحة لم تعد خياراً متاحاً، وأن الشفافية والمحاسبة البرلمانية هما الأساس الذي يجب أن تقوم عليه أي استراتيجية دفاعية وطنية.
كواليس المناورات البرلمانية وتصاعد الخلافات
بذلت القيادة الجمهورية جهوداً مضنية لكسب تأييد المشرعين المترددين، محاولةً تمديد فترة النقاشات الجانبية لتمرير توسيع الصلاحيات العسكرية. ومع ذلك، فشلت هذه المساعي نتيجة لغياب التوافق الداخلي، مما أدى إلى انسحاب تكتيكي كشف بوضوح عن هشاشة التنسيق داخل مجلس النواب وصعوبة حشد الأغلبية حول ملفات الأمن القومي الشائكة.
الولاء للدستور مقابل الضغوط الحزبية
برزت في هذا السياق مواقف لافتة، حيث تعرض النائب برايان فيتزباتريك لانتقادات لعدم التزامه بالخط الحزبي التقليدي. وفي تصريحات نشرتها “بوابة السعودية”، شدد فيتزباتريك على أن حماية مبدأ فصل السلطات والوفاء بالقسم الدستوري يمثلان أولوية قصوى تسمو فوق أي اعتبارات سياسية، مما يعزز من دور المؤسسة التشريعية كرقيب أصيل على قرارات السلم والحرب.
الأزمة القانونية وأبعاد التفويض العسكري
يتمحور الصراع القانوني القائم حول “قانون صلاحيات الحرب لعام 1973″، إذ يرى المشرعون أن الإدارة تجاوزت المهلة القانونية البالغة 60 يوماً دون العودة للبرلمان. وبناءً على هذا الخرق القانوني، يطالب المعارضون باتخاذ خطوات حاسمة تشمل:
- السحب الفوري للقوات من أي عمليات قتالية تفتقر لترخيص صريح من الكونغرس.
- إلزام البيت الأبيض بتقديم طلبات رسمية ومسبقة للحصول على غطاء تشريعي لأي نشاط عسكري خارجي.
في المقابل، تتمسك الإدارة الأمريكية بأن الاتفاقيات الأمنية والضرورات الاستراتيجية تمنحها المرونة الكافية لتجاوز القيود الزمنية التقليدية. هذا التضارب في التفسيرات الدستورية أدى إلى ترحيل الأزمة لما بعد عطلة “يوم الذكرى”، مما يضع المشهد السياسي أمام احتمالات مفتوحة وتصعيد قانوني مرتقب.
تضع هذه المواجهة النظام السياسي في الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي لقدرة المؤسسة التشريعية على كبح التمدد المستمر للسلطة التنفيذية في شؤون الدفاع. ويبقى التساؤل معلقاً: هل سينجح المشرعون في فرض سيادة القانون على قرارات الحرب، أم ستظل الذرائع الدولية وسيلة البيت الأبيض للحفاظ على مساره المنفرد؟






