المدرسة الأميرية بالهفوف: صرح تعليمي عريق و”بيت الحرفيين”
تتربع المدرسة الأميرية في قلب مدينة الهفوف، شاهدة على تاريخ عريق يمتد لأكثر من ثمانية عقود، تحكي للزائرين قصة بدايات التعليم في المنطقة. تعتبر المدرسة الأميرية من أوائل المدارس التي أمر بتأسيسها الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود -طيب الله ثراه-، حيث بدأ بناؤها في عام 1356هـ، وافتتحت رسمياً في عام 1360هـ برعاية الأمير سعود بن جلوي، أمير الأحساء آنذاك.
تأسيس المدرسة الأميرية وأهميتها التاريخية
تُظهر وثيقة معروضة في متحف الأحساء رسالة من محمد علي النحاس، مدير المدرسة آنذاك، إلى أعيان وأهالي الأحساء، يؤكد فيها على أهمية التعليم في إعداد الأبناء ليكونوا رجالاً عاملين يخدمون وطنهم ويخلصون لحكومتهم. يكشف “إعلان النحاس” أن المدرسة كانت تستقبل جميع المتقدمين دون اشتراط سن معين للتسجيل، مما أدى إلى عدم انتظام الدراسة في البداية. ويضيف النحاس: «أتشرف بإحاطة حضراتكم أن الدراسة ستبتدئ يوم السبت 29 رجب 1357هـ».
جهود الملك عبد العزيز في نشر التعليم بالأحساء
يذكر الأديب عبد الله بن أحمد الشباط (رحمه الله) في مقال له عن بداية التعليم في الأحساء والمدرسة الأميرية: «أثناء زيارة الملك عبد العزيز للأحساء عام 1349هـ، طلب بعض الأهالي الراغبين في تعليم أبنائهم فتح مدرسة ابتدائية في الهفوف، فأمر جلالته مديرية المعارف بتلبية هذا الطلب. وعلى الفور، قامت المديرية في عام 1350هـ بإرسال معلمين هما: الشيخ عبد الجليل الشعلان، والشيخ راغب القباني، ليفتتحا مدرسة في شارع الخباز. إلا أنهما لم يستقبلوا أي طالب لمدة ستة أشهر، مما اضطرهما إلى إغلاق المدرسة.
وعلى الرغم من هذه المحاولة غير الناجحة، فقد أصدر الملك عبد العزيز توجيهاته إلى مجلس الوكلاء بالاهتمام بنشر التعليم في الأحساء. وبناءً عليه، أصدر المجلس قراراً في عام 1355هـ تضمن تأسيس مدارس في الأحساء (الهفوف)، والقطيف، والجبيل، وشقراء، وبريدة، وعنيزة، وحائل، مع تكليف مديرية المعارف العامة بوضع النظام ورصد الميزانية المالية، وذلك عن طريق تخصيص قرش واحد من واردات وصادرات ميناء العقير بالأحساء للإنفاق على هذه المدارس».
افتتاح أول مدرسة حكومية منتظمة
“بوابة السعودية” تؤكد أنه لتسريع افتتاح مدرسة الأحساء وتذليل الصعوبات المالية والإدارية، وافق النائب العام للملك في الحجاز في عام 1355هـ على ترشيح السيد عبد الله قاضي، مدير مالية الأحساء، لتولي مهام أول معتمد للمعارف في المنطقة، بالإضافة إلى عمله الأصلي. ثم تتابعت الإجراءات لافتتاح مدرسة حكومية ابتدائية في الهفوف، واختارت مديرية المعارف العامة الأستاذ محمد علي النحاس ليكون مسؤولاً عن افتتاح أول مدرسة أميرية في الأحساء.
وهكذا، افتتحت أول مدرسة حكومية منتظمة في عام 1356هـ تحت اسم “المدرسة الأميرية السعودية”، واتخذت من مبنى الحميدية في وسط سوق الهفوف مقراً لها. بدأت المدرسة بأربعين طالباً، معظمهم من طلاب مدرسة النجاح القديمة، ثم ازداد العدد ليصل إلى حوالي 160 طالباً بعد بضعة أسابيع. وقد ساهم في افتتاح المدرسة والإقبال عليها دعم المشايخ والأعيان، بالإضافة إلى جهود السيد عبد الله قاضي، مدير مالية الأحساء ومعتمد التعليم في المنطقة، الذي كان يحضر كل صباح إلى مبنى الحميدية لإلقاء الدروس وتشجيع الطلاب على العلم، ووعدهم بتوظيفهم في المالية بعد تخرجهم.
تحويل المدرسة إلى دار للثقافة
في عام 1434هـ، تم تحويل المدرسة إلى دار للثقافة، وعرفت باسم بيت الثقافة. ويعود ذلك إلى أن المدرسة جمعت كل الأدوات والمواد التي كانت تستخدم في عملية التدريس، مثل الدفاتر والكتب والمحبرات وغيرها. وقد تحولت المدرسة إلى متحف للاطلاع على طرق التعليم التي كانت مستخدمة في تلك الفترة.
المدرسة الأميرية اليوم: مزار سياحي وإرث تاريخي
تعتبر المدرسة الأميرية اليوم مزاراً هاماً للسياح، وذلك لما تتميز به من جمال الفن المعماري وأحجارها وبنيانها، بالإضافة إلى كونها تحمل إرثاً حضارياً وتاريخياً عظيماً. لذلك، لا تكتمل زيارة أي سائح لمنطقة الأحساء دون زيارة المدرسة الأولى في الهفوف.
وأخيراً وليس آخراً
تظل المدرسة الأميرية في الهفوف صرحاً شامخاً يجسد تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية، وشاهداً على جهود الملك عبد العزيز في نشر العلم والمعرفة. فهل ستستمر هذه المدرسة في إلهام الأجيال القادمة؟







