الخطوط الحديدية السعودية: شرايين التنمية والنقل المستدام
تُعد الخطوط الحديدية في السعودية جزءًا حيويًا من منظومة النقل البري المتطورة، حيث تربط المدن بشبكة متكاملة من الخطوط والمحطات والقاطرات الحديثة لنقل الركاب والبضائع بكفاءة عالية. تشرف وزارة النقل والخدمات اللوجستية على هذه الشبكة الواسعة، التي تديرها الخطوط الحديدية السعودية (سار)، وتمتد لأكثر من 5,380 كيلومترًا من المسارات الحديدية.
تاريخ تأسيس الخطوط الحديدية السعودية
في عام 1366 هـ (1947م)، أصدر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله- أمرًا ملكيًا بإنشاء شبكة الخطوط الحديدية، إيذانًا ببدء عصر النقل الحديث في المملكة. وبعد أربع سنوات، في عام 1371 هـ (1951م)، افتُتح الخط الحديدي في الرياض، ومنذ ذلك الحين، تطورت السكة الحديدية تحت إشراف شركة أرامكو لفترة، ثم أصبحت تابعة لوزارة المالية تحت مسمى “مصلحة السكة الحديد”. وفي عام 1386 هـ (1966م)، صدر مرسوم ملكي بتحويلها إلى مؤسسة عامة، لتصبح “المؤسسة العامة للخطوط الحديدية”.
وفي خطوة نحو التحديث والتطوير، صدر قرار من مجلس الوزراء في فبراير 2021م بإلغاء المؤسسة العامة للخطوط الحديدية ونظامها، وحلت محلها الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار) اعتبارًا من أبريل 2021م. ومنذ ذلك الحين، أصبحت “الخطوط الحديدية السعودية – سار” المالكة لجميع الأصول التشغيلية الثابتة والمنقولة، بالإضافة إلى البنية التحتية لمشاريع القطارات في المملكة، سواء كانت مخصصة لنقل الشحن أو الركاب بين المدن.
شبكة الخطوط الحديدية المتكاملة في المملكة
تدير شركة الخطوط الحديدية السعودية (سار) شبكة واسعة ومتطورة من الخطوط الحديدية في المملكة، تشمل 15 محطة للركاب، و8 ورش صيانة متخصصة، و15 ساحة للمناورة. كما تشغل الشركة أسطولًا ضخمًا يتكون من 220 قطارًا للركاب والشحن، وتنقل أكثر من 3 ملايين مسافر سنويًا، مما يعكس الدور الحيوي الذي تلعبه في تسهيل حركة النقل وتلبية احتياجات المسافرين والشحن على حد سواء.
قطار الشمال: شريان التنمية
يُعتبر قطار الشمال أكبر قطاعات شبكة الخطوط الحديدية في المملكة، ويُعد أطول خط متكامل في العالم يعتمد على نظام الإشارات والاتصالات الأوروبي المتقدم المستوى الثاني (ETCSL2). تمتد شبكة قطار الشمال على طول 2,750 كيلومترًا، حيث يبلغ طول خط الركاب 1,250 كيلومترًا، وينطلق من الرياض مرورًا بالمجمعة والقصيم وحائل والجوف وصولًا إلى القريات. أما خط الشحن، فيبلغ طوله 1,550 كيلومترًا، ويمتد من حزم الجلاميد مرورًا بالجوف وحائل وصولًا إلى تقاطع البعيثة في القصيم، ثم يتجه نحو منشآت التجهيز والتصدير في رأس الخير بالمنطقة الشرقية.
يقدم قطار الشمال خدمات اقتصادية كبيرة، حيث يصل طول القطار الواحد إلى أكثر من 3.5 كيلومتر، وينقل أكثر من 60 مليون طن من المعادن (الفوسفات، البوكسايت، الكبريت المنصهر، حمض الفوسفوريك)، مما ساهم في إزاحة أكثر من 4.5 ملايين شاحنة عن الطرق، وتقليل الازدحام والحفاظ على البيئة.
ويتكون أسطول قطار الشمال للركاب من ستة قطارات، أربعة نهارية واثنين ليلية، وهي قطارات ثنائية الاتجاه تتكون من مقطورتين وثماني عربات للركاب. وتبلغ سرعة القطار 200 كيلومتر في الساعة، والسعة القصوى للقطار الواحد 442 مقعدًا، مما يوفر تجربة سفر مريحة وآمنة للمسافرين.
قطار الشرق: تاريخ عريق وخدمات متواصلة
يُعد قطار الشرق أول قطارات المملكة، ويعمل على خط مزدوج للركاب بطول 733 كيلومترًا يربط الرياض بالدمام مرورًا بالأحساء وبقيق. كما يوجد خط للشحن بطول 550 كيلومترًا يربط ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام بالميناء الجاف في الرياض مرورًا بالأحساء وبقيق والخرج وحرض والتوضيحية.
تُشرف شركة سار على تشغيل 157 مقصورة على خط الشحن، في حين يبلغ عدد العربات العاملة على هذا الخط 5,577 عربة. وتنتقل القطارات بخمس رحلات يوميًا بمتوسط سعة 220 عربة للقطار الواحد، وبطاقة استيعابية تجاوزت في عام 2020م الـ735 ألف حاوية، مما يعكس الدور الحيوي الذي يلعبه في دعم حركة التجارة والنقل في المنطقة الشرقية.
يتكون أسطول قطار الشرق من 22 قطارًا، منها 12 طقم قطارات حديثة و10 أطقم كلاسيكية تنقل الركاب بين الرياض والدمام مرورًا بمدينة بقيق والهفوف، وتبلغ سرعتها القصوى 180 كيلومترًا في الساعة.
افتُتح الميناء الجاف في الرياض في عام 1401هـ (1981م) لتعزيز الخدمات اللوجستية، وشهدت أعداد الحاويات الواردة عن طريق ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام إلى الرياض زيادات كبيرة مطردة. وتضاعف حجم النقل عدة مرات منذ بدء تشغيل الميناء الجاف، حيث بلغ في عام 1401هـ (1981م) 21 ألف حاوية نمطية بالاتجاهين، وتجاوز 318 ألف حاوية قياسية في عام 1426 – 1427هـ (2005 – 2006م).
قطار الحرمين السريع: نقل عصري بين الحرمين الشريفين
يُعد قطار الحرمين السريع جزءًا هامًا من شبكة الخطوط الحديدية في المملكة، وهو واحد من أسرع 10 قطارات كهربائية في العالم، حيث تبلغ سرعته 300 كيلومتر في الساعة على خطوط يبلغ طولها 449 كيلومترًا، تربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورًا بجدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية. بدأ تشغيل القطار في سبتمبر 2018م، ليقدم خدمة نقل سريعة ومريحة بين المدن المقدسة.
يتكون أسطول قطار الحرمين السريع من 35 قطارًا، ويحتوي كل قطار على 13 عربة، بسعة مقاعد تبلغ 417 مقعدًا للركاب في القطار الواحد، مما يوفر تجربة سفر مميزة للحجاج والمعتمرين والزوار.
قطار المشاعر: خدمة حجاج بيت الله الحرام
تأسس قطار المشاعر في عام 2009م، ويضم في أسطوله 18 قطارًا تسير بسرعة 80 كيلومترًا في الساعة بين مشعر منى ومشعر مزدلفة ومشعر عرفات، ويخدم حجاج بيت الله الحرام خلال موسم الحج، لتسهيل تنقلهم بين المشاعر المقدسة وتقديم خدمة نقل آمنة ومريحة.
تأسيس الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار)
تأسست الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار) في عام 2006م على يد صندوق الاستثمارات العامة، بهدف تطوير العمليات التشغيلية في الخطوط الحديدية بالمملكة. وتولت الشركة إدارة وتشغيل الخطوط الحديدية، بدءًا من تنفيذ مشروع قطار الشمال وتشغيله، لتكون الذراع المستقبلية لهذه الصناعة الحيوية في مجال نقل الركاب والبضائع.
حققت سار إنجازات كبيرة في مجال السلامة والجودة، حيث صُنفت كواحدة من أفضل ثلاث شركات للخطوط الحديدية في مؤشر الأمان العالمي لمشغلي القطارات والصادر عن الاتحاد الدولي للخطوط الحديدية (UIC) للعام 2019م. كما حصدت جائزة السلامة الدولية للعام 2020م للمرة الثانية على التوالي من مجلس السلامة البريطاني، بالإضافة إلى حصولها على شهادة الأيزو ISO45001 في مجال الصحة والسلامة.
نمو حركة تشغيل الخطوط الحديدية
تشهد الخطوط الحديدية في المملكة تطورات مستمرة، حيث تستهدف الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية ربط أكثر من 8 آلاف كيلومتر من الخطوط الحديدية بحلول عام 2030م، باستخدام تقنيات عالمية متقدمة ومعايير جودة عالية، لتعزيز دورها في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.
شهد قطاع الركاب نموًا كبيرًا، حيث ارتفع عدد الركاب في السكك الحديدية خلال الربع الأول من عام 2022م إلى 3.11 ملايين راكب بنسبة نمو بلغت 208% عن العام 2021م. كما تم نقل أكثر من 3 ملايين طن من البضائع بنسبة ارتفاع 26%. وفي مارس 2022م، تم تدشين خدمة نقل السيارات عبر القطارات من محطة الرياض إلى محطة القريات، كأول خدمة من نوعها في الشرق الأوسط.
وفي الربع الثاني من العام 2024م، سجلت قطارات المملكة أرقامًا قياسية في نقل الركاب تجاوزت 9.3 ملايين راكب بنسبة نمو بلغت 13% عن الربع المقابل 2023م. كما نقل قطار الشحن أكثر من 6.9 ملايين طن من البضائع والمعادن خلال الربع الثاني 2024م، وبنسبة نمو بلغت 9% مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2023م.
توطين تقنيات الخطوط الحديدية
يُعد المعهد السعودي التقني للخطوط الحديدية (سرب) ركيزة أساسية في توطين صناعة الخطوط الحديدية وتأهيل الكفاءات الوطنية. يقدم المعهد برامج رئيسية في قيادة القطارات، وتشغيل وإدارة المحطات، والاتصالات والتحكم، وصيانة البنية التحتية، وصيانة القاطرات والعربات.
بدأ المعهد في عام 2022م تقديم دبلوم قيادة القطارات للمتدربات، لتمكينهن في مجال قيادة القطارات وتعزيز مشاركة المرأة في هذه الصناعة الحيوية.
في عام 2021م، مكّن المعهد أكثر من 400 خريج للعمل في عدة تخصصات في صناعة النقل السككي. وفي جمادى الأولى 1445هـ (ديسمبر 2023م)، احتفل معهد سرب بتخريج 367 متدربًا ومتدربة، لينضم 138 خريجًا إلى سوق العمل في تخصص قيادة القطارات، و93 خريجًا في تخصص الإشارات والاتصالات، و71 خريجًا في تخصص صيانة القاطرات والعربات، و37 خريجًا في تخصص مساعد قائد القطار، و22 خريجًا في تخصص مركز التحكم، و6 خريجين في تخصص صيانة السكك الحديدية، مما يعكس التزام المملكة بتطوير الكفاءات الوطنية في هذا المجال الحيوي.
و أخيرا وليس آخرا :
الخطوط الحديدية السعودية تمثل قصة نجاح متواصلة، بدأت برؤية طموحة وتستمر بتطوير مستمر وتوطين للتقنيات، فهل ستشهد المملكة قفزات نوعية أخرى في هذا القطاع الحيوي، وهل ستتمكن من تحقيق أهدافها الطموحة في ربط مناطق المملكة بشبكة حديثة ومتكاملة من الخطوط الحديدية؟











