تطور الإسكان في السعودية: نظرة شاملة على المبادرات والإنجازات
منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، شهد قطاع الإسكان توسعًا ملحوظًا بهدف تلبية الاحتياجات المتزايدة للمواطنين. تجسدت هذه الجهود في خطة التنمية الأولى (1390-1395هـ/1970-1975م)، التي اقترحت إنشاء مؤسسة متخصصة في توجيه الاستثمارات الخاصة نحو مشاريع الإسكان والتطوير العقاري، مع إعداد تصاميم نموذجية للأحياء السكنية تتلاءم مع الظروف والاحتياجات المحلية.
الخطط التنموية للإسكان في السعودية
توالت جهود الدولة في توفير الوحدات السكنية عبر الخطط التنموية المتعاقبة. وضعت الخطة الخمسية الثانية (1395-1400هـ/1975-1980م) هدفًا رئيسيًا هو تأمين السكن المناسب لذوي الدخل المحدود من خلال مشاريع حكومية تقدم المساكن بشروط ميسرة، بالإضافة إلى تشجيع البناء والتشييد من قبل الفئات الأخرى عبر منح قروض بدون فوائد وإعانات، وصولًا إلى تحقيق حلم امتلاك كل أسرة سعودية لمنزلها الخاص.
شهدت الخطة التنموية الثانية زيادة كبيرة في عدد المساكن وتحسين جودتها، حيث تم إنشاء أكثر من 40,000 وحدة سكنية سنويًا، مقارنة بـ 17,500 وحدة سكنية سنويًا خلال الخطة الأولى. كما تم إنشاء حوالي 3,600 شقة في مشروعي الإسكان العاجل في جدة والدمام، وبدأ العمل في إنشاء 1,152 شقة في مشروع الإسكان العاجل بالرياض في نهاية عام 1399هـ/1979م.
دور القطاع الخاص في الإسكان بالسعودية
لم يغب القطاع الخاص عن المساهمة في جهود بناء المساكن، حيث تمكن من توفير 150,000 وحدة سكنية دائمة إضافية، متجاوزًا بذلك الهدف المحدد في خطة التنمية الثالثة الذي كان يطمح إلى إقامة 122,000 وحدة سكنية. بالإضافة إلى ذلك، وفرت الشركات المتعاقدة في البلاد أكثر من 51,000 وحدة سكنية مؤقتة للعاملين لديها. وخلال فترة الخطة، قدم صندوق التنمية العقارية قروضًا لبناء المباني السكنية الخاصة وللاستثمار بلغ مجموعها أكثر من 31.5 مليار ريال.
وبنهاية خطة التنمية الثالثة، اكتمل بناء 550,000 وحدة سكنية، معظمها بفضل القروض التي قدمتها الدولة للقطاع الخاص.
قروض صندوق التنمية العقارية الميسرة للإسكان
أسهمت القروض الميسرة المقدمة من صندوق التنمية العقارية، والتي بلغت 124 مليار ريال منذ إنشائه، في توفير مساكن ذات جودة عالية لحوالي 574,800 أسرة.
وفي سياق متصل، قدرت خطة التنمية الثامنة حاجة السعودية إلى نحو مليون وحدة سكنية خلال السنوات الخمس للخطة.
إطلاق برنامج الإسكان
أُطلق برنامج الإسكان في عام 2018م، بهدف تقديم حلول سكنية مبتكرة تمكن الأسر السعودية من تملك أو الانتفاع بالمنازل المناسبة وفقًا لاحتياجاتهم وقدراتهم المادية، مع تحسين الظروف المعيشية للأجيال الحالية والمستقبلية. ويتحقق ذلك من خلال توفير حلول تمويلية مدعومة وملائمة، وزيادة المعروض من الوحدات السكنية بأسعار مناسبة، وتنفيذ برامج متخصصة لإسكان الفئات الأكثر حاجة في المجتمع، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية لقطاع الإسكان، وتعظيم الأثر الاقتصادي منه.
تشمل التزامات برنامج الإسكان رفع إجمالي القروض العقارية القائمة إلى 502 مليار ريال، وخفض النسبة بين متوسط سعر الوحدة ومتوسط دخل الفرد السنوي إلى خمسة أضعاف، والإسهام في رفع المستوى المحلي إلى 63%، وزيادة نسبة تملك المنازل بين المواطنين السعوديين إلى 70% بحلول عام 2030م.
خيارات تملك المساكن
أتاحت وزارة البلديات والإسكان مجموعة متنوعة من خيارات التملك بالاستفادة من القرض العقاري المدعوم بنسبة تصل إلى 100%، بما في ذلك خيار البناء الذاتي للأسر التي تمتلك أراضي وترغب في بنائها، وخيار شراء الوحدات السكنية الجاهزة أو تحت الإنشاء بالشراكة مع المطورين العقاريين، وإصدار العقود الإلكترونية للأراضي السكنية المتاحة للحجز عبر موقع وتطبيق سكني.
كما تنوعت الخدمات الرقمية عبر موقع وتطبيق سكني، حيث أُطلقت خدمة التصاميم النموذجية لخيار البناء الذاتي خلال عام 2020م، بالإضافة إلى خدمات أخرى مثل المستشار العقاري ومبادرة تحمل ضريبة القيمة المضافة عن المسكن الأول. ولتنظيم وتيسير بيئة إسكانية متوازنة ومستدامة، أُطلقت شبكة إيجار الإلكترونية، وبرنامج ملاك، وفرز الوحدات العقارية، وبرنامج البناء المستدام لفحص جودة المساكن تحت الإنشاء وإصدار تقارير للمساكن الجاهزة.
وقد أسهم برنامج سكني، في توفير خيارات سكنية متنوعة وحلول تمويلية مدعومة الأرباح بنسبة تصل إلى 100%، تشمل جميع مناطق السعودية وتتناسب مع جميع الفئات، مما ساعد على نمو أعداد القروض العقارية من البنوك السعودية والمؤسسات التمويلية.
مبادرات وبرامج للإسكان في السعودية
تشمل المبادرات السكنية أيضًا برنامج الأراضي البيضاء الذي بدأ في أربع مدن رئيسة في السعودية، وأسهم في تطوير عدد كبير من الأراضي الخاضعة، بالإضافة إلى برنامج تحفيز تقنيات البناء الذي قلص مدة التطوير العقاري للمنازل والحفاظ على الجودة العالية وضخ مزيد من الوحدات السكنية، علاوة على برنامج الإسكان التنموي بالشراكة مع 350 جمعية أهلية لتوفير الوحدات السكنية للأسر الأشد حاجة. وساعدت هذه البرامج على زيادة نسب تملك السعوديين وانخفاض نسبة الأسر المستأجرة إلى 35%، حتى عام 1440هـ/2019م.
من بين مبادرات الإسكان التي تُسهم في رفع معدلات المساكن، تبرز منصة جود الإسكان، إحدى مبادرات مؤسسة الإسكان التنموي الأهلية، والتي تجاوز عدد مساهميها عام 1445هـ/2023م خمسة ملايين مساهم. وقد أسهم هؤلاء بدعم الأسر الأشد حاجة للمسكن، حيث بلغ عدد المستفيدين أكثر من 36 ألف مستفيد، ووصل إجمالي الإسهامات إلى أكثر من ملياري ريال.
أظهرت إحصاءات برنامج الإسكان استفادة نحو 96 ألف أسرة من مستحقي الدعم السكني خلال عام 2023م، وذلك من خلال الإسهام في تحمل تكاليف السكن، إضافة إلى خدمة أكثر من 20 ألف أسرة من مسارات التملك عبر الإسكان التنموي. وبلغت نسبة الأسر السعودية التي تمتلك وحدة سكنية 65.4% مع نهاية عام 2024م، بارتفاع 18.36 نقطة مئوية مقارنة بعام 2016م، وذلك في إطار سعي البرنامج إلى دعم المستفيدين لتحقيق مستهدفات رفع نسبة التملك السكني للأسر السعودية إلى 70% بحلول 2030م.
حققت البرامج والمبادرات السكنية مكاسب متعددة ومستهدفات طموحة، حيث تجاوز إجمالي ما أُودع في حسابات مستفيدي سكني قيمة 50.2 مليار ريال منذ يونيو 2017م حتى يوليو 2023م.
تواصلت جهود توفير الوحدات السكنية، حيث أسهم برنامج الرهن الميسر في تمكين 35 ألف مستفيد من التملك، وبرنامج الضمانات الذي استفاد منه أكثر من 26 ألف مستفيد بنهاية عام 2021م. وحقق الصندوق العقاري إنجازات عبر برامج الدعم السكني، حيث تمكن من خدمة أكثر من 660 ألف مستفيد خلال المدة من يونيو 2017م حتى نهاية النصف الأول من 2022م، وإيداع أكثر من 40 مليار ريال دعمًا شهريًّا خلال المدة نفسها لمستفيدي سكني.
شهد القطاع السكني نقلة نوعية بصدور أمر ملكي عام 1442هـ/2021م بضم وزارة الإسكان إلى وزارة الشؤون البلدية والقروية، وتعديل اسمها إلى وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان. وفي عام 1446هـ/2024م، عُدّل مسماها بموجب أمر ملكي إلى وزارة البلديات والإسكان.
وصلت برامج ومبادرات الإسكان إلى أكثر من عشرة برامج ومبادرات تغطي الخدمات السكنية للمواطنين، منها: الإسكان التعاوني، سكني، اتحاد الملاك، إتمام، إيجار، الأراضي البيضاء، الإسكان التنموي، البناء المستدام، المعهد العقاري السعودي، مبادرة البناء الحديث، تحمل ضريبة القيمة المضافة، فرز الوحدات، وافي. ووصل عدد مشاريع برنامج سكني في جميع المناطق إلى 137 مشروعًا، تضم 155,077 وحدة سكنية.
تأسيس الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري
في إطار جهود تطوير قطاع الإسكان، تأسست الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري عام 1439هـ/2017م، بهدف تمكين المقرضين من تقديم حلول التمويل العقاري، مما يسهم في رفع نسبة تملك المواطنين.
وشهد تطبيق التقنيات الحديثة في قطاع الإسكان قفزة نوعية مع إعلان برنامجي الإسكان وتطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية عام 1440هـ/2018م، حيث نجحت تجربة بناء أول منزل باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي تُعد من أحدث تقنيات الجيل الرابع لتقنيات البناء.
تأسيس شركة الوطنية للإسكان
سعيًا لتعزيز المنظومة السكنية وتحقيق مستهدفات الإسكان في السعودية، أُسست شركة الوطنية للإسكان NHC عام 1437هـ/2016م، لتكون الذراع الاستثمارية لمبادرات وبرامج وزارة البلديات والإسكان في القطاع العقاري والسكني والتجاري. ثم تحولت الشركة إلى ملكية الدولة في مايو 2020م، لتصبح ممكّنًا فاعلًا لحلول السوق العقارية السعودية. وفي 9 جمادى الأولى 1446هـ/11 نوفمبر 2024م، دشنت هويتها الجديدة باسم شركة الوطنية للإسكان NHC.
تعمل الشركة على تنفيذ استراتيجية تهدف إلى تمكين منظومة العرض العقاري من خلال دعم القطاع الخاص نحو تطوير السوق العقارية والارتقاء باحترافية الخدمات المقدمة فيه، مما يتيح آفاقًا أوسع للشركة في تعزيز الاستدامة لأعمالها وأعمال منظومة العرض العقاري. ويتبع للشركة عدة شركات أخرى، هي: NHC لخدمات الإسكان، NHC لإدارة الأصول، NHC لخدمات التمويل.
حققت شركة الوطنية للإسكان إنجازات مهمة، حيث سلمت 25 ألف أسرة مسكنها الأول في نهاية مايو 2023، في 11 مدينة وهي: مكة المكرمة، المدينة المنورة، الرياض، جدة، الدمام، الخبر، الأحساء، القطيف، خميس مشيط، الطائف، إضافة إلى ينبع؛ ليستفيد منها أكثر من 125 ألف نسمة.
و أخيرا وليس آخرا، تتجلى جهود المملكة العربية السعودية في تطوير قطاع الإسكان كمسيرة مستمرة نحو تحقيق الاستقرار والرفاهية للمواطنين. وبينما نشهد هذه التطورات المتسارعة، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل الإسكان في المملكة، وما هي الابتكارات والحلول التي ستظهر لتلبية الاحتياجات المتغيرة للأجيال القادمة؟.











