التعديل الجيني: بين قفزة علمية ومخاطر غير محسوبة
مما لا شك فيه، أن التعديل الجيني يمثل نقلة نوعية في عالم العلوم، وهو ثمرة تجارب مضنية أجراها العلماء على الكائنات الحية. هذه التجارب، التي عرفت بالتعديل الجيني، هدفت إلى تحليل المشكلات التي تواجه الكائنات الحية واقتراح حلول جذرية لها. يتم ذلك عن طريق إدخال تعديلات على موادها الوراثية، وتحديداً على أحماض (DNA) التي تحمل الصفات الوراثية للكائن الحي.
ورغم أن دوافع العلماء كانت في ظاهرها نبيلة، وغايتهم إضافة مزايا للكائنات الحية، مثل زيادة إنتاج المحاصيل ورفع مقاومتها للأمراض والآفات، إلا أن هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً. يكمن السبب في أن التعديل الذي يطال المادة الوراثية قد ينتقل إلى الأجيال اللاحقة، مما يفسح المجال لحدوث طفرات غير متوقعة. هنا يثور التساؤل: هل التعديل الجيني قفزة علمية حقيقية أم أنه ضرب من الجنون البشري؟
ما هو التعديل الجيني؟
التعديل الجيني هو عبارة عن سلسلة من التعديلات والتغييرات التي يتم إدخالها بواسطة الهندسة الوراثية على الحمض النووي للكائن الحي. الهدف من ذلك هو تغيير خصائصه. هذا المفهوم يتعارض مع التكاثر التقليدي في النباتات والحيوانات، حيث تنتقل المادة الوراثية بشكل متطابق من جيل إلى آخر، مما يحافظ على خصائص السلالات.
على سبيل المثال، إذا كانت نباتات الطماطم تعطي ثماراً صغيرة بكميات كبيرة، فإن الجيل التالي سيحمل نفس المواصفات، وذلك بسبب انتقال الحمض الوراثي دون أي تعديل. أما في حالة التعديل الجيني، يتم إضافة أو استبدال جين مأخوذ من كائن حي آخر.
في مثال الطماطم، يمكن أخذ جين من سلالة طماطم تعطي ثماراً كبيرة، ليصبح الجيل الجديد قادراً على إنتاج ثمار كبيرة وبكميات وفيرة. هذا التعديل يهدف إلى تحسين خصائص الكائن الحي. يطلق على هذا الجيل اسم الكائنات المعدلة وراثياً (Genetically Modified Organism) أو ما يعرف اختصاراً بـ (GMO).
تعديل الجينوم
يُطلق اسم الجينوم على كامل المادة الوراثية للكائن الحي. بالتالي، فإن تعديل المادة الوراثية يعرف بتعديل الجينوم (Genome Editing). غالباً ما يتم تعديل الجينوم باستخدام النيوكلييزات المهندسة، حيث يتم دمج أو استبدال أو إزالة أجزاء من الجينوم باستخدام الهندسة الوراثية عن طريق المقص الجزيئي الذي يستخدم النيوكلييزات. يتم التعديل على أجزاء محددة من (DNA) الجينوم تكون مسؤولة عن إظهار صفات وراثية غير مرغوب فيها.
مهمة النيوكلييزات هي إنشاء فواصل مزدوجة الجديلة (DSBs) في الأماكن المستهدفة من الجينوم، ثم تسخير الآليات الموضعية للخلية لإصلاح الفاصل عن طريق المعالجات الطبيعية بالضم الطرفي غير المتماثل والتأشيب المتماثل.
في الوقت الحالي، تُستخدم أربع عائلات من النيوكلييزات المهندسة، وهي نظام كريسبر/كاس، نيوكلييز إصبع الزنك، (Transcription Activator-Like Effector Nuclease)، والميغانيوكلاز المهندس.
يُستخدم تعديل الجينوم بالنيوكلييزات المهندسة في التحليلات الوراثية لفهم وظائف البروتين أو الجين عند تداخلهما بطريقة متسلسلة، وتأثير ذلك في الخلية.
فوائد التعديل الجيني
التعديل الجيني، الذي طال النباتات والحيوانات وحتى الإنسان، انطوى على العديد من المزايا والإيجابيات، وساهم في إيجاد حلول للمشكلات التي كانت تواجه البشرية.
من فوائد التعديل الجيني نذكر:
التعديل الجيني في المجال الزراعي
من فوائد التعديل الجيني في المجال الزراعي أنه أضفى تحسينات كمية ونوعية على سلالات النباتات، وساهم في زيادة كمية الإنتاج الزراعي للمحاصيل. بالإضافة إلى تحسين نوعيات المحاصيل والصفات التي تحملها، مثل مقاومتها للأمراض والآفات الحشرية والحشائش والمبيدات، وإمكانية تخزينها لفترة أطول، وإضافة مواصفات نوعية لونية أو شكلية أو حجمية، مثل إنتاج سلالات من الثمار أكبر حجماً من المعتاد وأقل احتواءً على البذور.
التعديل الجيني في مجال تربية الحيوانات
تتجلى فوائد التعديل الجيني في مجال تربية الحيوانات في تعديل جينات الحيوان وإضافة جينات جديدة، مثل تلك التي تزيد من مقاومته للفيروسات الممرضة أو التي ترفع من مقاومته للالتهابات. بعض التعديلات الجينية تظهر على شكل خصائص مرغوبة في تربية الحيوان، مثل تسريع النمو عن طريق تزويد الحيوان بالجين المسؤول عن إفراز هرمون النمو السريع.
كما تم إجراء تعديلات جينية لرفع مقاومة الحيوانات للأمراض، وتم تطبيقها بشكل مكثف على الدواجن لإنتاج لقاحات لبعض الأمراض التي تصيبها مثل مرض نيوكاسل ومرض الحمى. تمت الاستفادة من التعديل الوراثي في إنتاج بكتيريا معدلة وراثياً تقوم بتحويل روث الحيوانات إلى أسمدة عضوية، كما تم تطبيق تعديلات جينية بهدف حماية بعض الكائنات المهددة بالانقراض.
التعديل الجيني في الحد من التلوث
كانت فوائد التعديل الجيني واضحة في الحد من التلوث، وذلك بإنتاج نوع من البكتيريا متخصص بتحليل الفضلات، ونوع آخر متخصص بتنظيف المياه البحرية من تبعات غرق ناقلات النفط عن طريق تفتيت جزيئات البترول المنسكب في البحار، ومن ثم ابتلاعها. هذه العملية تدعى المعالجة البيولوجية.
التعديل الجيني في مجال الطب
برزت فوائد التعديل الجيني في مجال الطب عبر المساعدة التي قدمتها على اكتشاف عدد كبير من الأمراض الوراثية وأسبابها وطرائق معالجتها، ولعل أبرز هذه الأمراض مرض فقر الدم المنجلي. من فوائد التعديل الجيني في مجال الطب أيضاً أنه ساعد على استخلاص العديد من الهرمونات الضرورية للمعالجات الطبية مثل هرمون النمو وهرمون الأنسولين الذي يُستخدم لمعالجة مرضى السكري، فضلاً عن استخلاص اللقاحات وتعديلها من أجل تخفيف آثارها الجانبية في جسم الإنسان.
أضرار التعديل الجيني
على الرغم من الإيجابيات التي قدمها التعديل الجيني، إلا أنه حمل بعض السلبيات والمضار التي هددت سلامة البشرية وأثارت قلقها.
من أبرز أضرار التعديل الجيني نذكر ما يأتي:
- إنتاج سلالات جديدة من الكائنات الحية التي تم إجراء تعديل جيني على موادها الوراثية، مما تسبب بحدوث خلل في النظام البيئي على الكرة الأرضية.
- ظهور آثار سلبية للتعديل الجيني الذي طرأ على النباتات والحيوانات المعدلة في الصحة الجسدية للإنسان.
- تهديد الوجود البشري الآمن والعبث بمورثاته.
- صعوبة السيطرة على الأخطاء الناتجة عن التعديل الجيني، فعند إنتاج جراثيم أو فيروسات خطيرة يصبح التحكم بها وضبط انتشارها أمراً صعباً، كما أن القضاء عليها لا يكون بالأمر السهل.
- من أضرار التعديل الجيني والهندسة الوراثية أنه يحدث اختلاطاً في الأنساب بسبب عمليات التخصيب الصناعي للبشر، ففي حالات كثيرة يتم تلقيح بويضات مأخوذة من نساء بحيوانات منوية من رجال مجهولين، وهذا يسبب اختلاط الأجناس.
فضلاً عن النتائج الكارثية الناتجة عن خلط الشريط الوراثي للإنسان بالنبات أو خلط الأشرطة الوراثية بين حيوانين أو بين إنسان وحيوان، ومن الأمثلة على ذلك خلط الشريط الوراثي للإنسان بالنبات من أجل إنتاج ما يسمى بالإنسان الأخضر أو الإنسان الكلوروفيلي.
تعديل الجينوم البشري.. قفزة علمية أم جنون؟
أثار التصريح الذي أدلى به العالم الصيني هي جيانكوي في عام 2018 جدلاً واسعاً بعدما أقر بإجرائه تعديلاً جينياً على الحمض النووي لطفلتين توأمين ولدتا في شهر نوفمبر من العام نفسه، وأشار إلى استخدامه أداة جديدة لإعادة كتابة الشيفرة الوراثية للطفلتين قبل الولادة.
وذكر عالم أمريكي أنّه شارك في هذه القفزة العلمية على الرغم من منع التعديل الجيني للبشر أو الهندسة الوراثية في الولايات المتحدة؛ وذلك لأن التعديلات الجينية تنتقل من جيل إلى الجيل اللاحق، معرضة بذلك الجينات الأخرى والجنس البشري لأخطار محدقة.
وأكد العالم الصيني أن هذا التعديل ليس الوحيد الذي قام به، بل صرح بأنه أجرى 7 تعديلات جينية لأجنة النساء في أثناء التخصيب، وأن التعديل الجيني الذي قام به لم يكن من أجل الوقاية من مرض وراثي ولا من أجل علاج؛ إنما من أجل منح صفة غير متوفرة بشكل طبيعي عند جميع البشر.
هذه الصفة هي المعنية بالقدرة على مقاومة الأمراض المعدية في المستقبل مثل مرض الإيدز، ورفض ذكر أي معلومات عن والدي التوأم الذي خضع للتعديل الجيني تتعلق بمكان إقامتهما أو المستشفى الذي أُجريت فيه عملية التعديل الجيني.
تراوحت آراء العلماء بين مؤيد وداعم ومعارض متطرف لفكرة تعديل الجينوم البشري، فالعلماء المؤيدون ركزوا على الإيجابيات المتعلقة بالتعديل الجيني للبشر، والتي تساعد على مكافحة فيروس نقص المناعة وداء فقر الدم المنجلي وداء النشواني، وتساهم في علاج طائفة واسعة من أنواع السرطانات.
إلا أن العلماء الذين اتخذوا موقفاً معارضاً من هذه الخطوة وعدُّوها ضرباً من الجنون، وركزوا على مخاطر تعديل الجينوم البشري الإنتاشي والمنتقل بالوراثة، والذي يتسبب في تبديل جينات الأجنة البشرية وانتقال هذه التعديلات إلى الأجيال التالية، وهذا يسبب تعديلاً للصفات الذرية.
و أخيرا وليس آخرا
إن التعديل الجيني، الذي يعني إضافة أو إزالة أو استبدال في الجينات الخاصة بالكائن الحي، هو عملية صُممت من أجل ابتكار تحسينات في الحياة البشرية، ولقد نجحت فعلاً في تعزيز الصفات المرغوبة لدى النباتات والحيوانات التي طُبقت عليها، كما كانت حلاً ناجعاً لإيجاد علاجات لأمراض تواجه البشرية.
إلا أن وصول التقدم العلمي إلى درجة تحوير الجينوم البشري أثار عاصفة من الردود المنقسمة بين التأييد والمعارضة، ويبقى باب المستقبل مفتوحاً لإثبات أي الرؤيتين ستسود.







