الأزهر الشريف: منارة العلم والإسلام
الأزهر الشريف، صرح شامخ في قلب مصر والعالم الإسلامي، ليس مجرد مسجد، بل هو جامعة علمية عريقة تحتضن بين جدرانها تاريخًا يمتد لأكثر من ألف عام. من مؤسسة دينية إلى جامعة حديثة، يظل الأزهر نبراسًا يشع نورًا على المجتمع المصري والعالم أجمع.
تأسيس الأزهر الشريف
تأسس الأزهر الشريف بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، الذي وضع حجر الأساس في الرابع عشر من رمضان عام 359 هـ، الموافق الرابع من أبريل عام 970م. في العام نفسه، قام القائد جوهر الصقلي بفتح مصر وأمر بتأسيس مدينة القاهرة، ليكتمل بناء المسجد في السابع عشر من رمضان عام 361 هـ، الموافق الثاني والعشرين من يونيو عام 972م، ليصبح أول جامع يُنشأ في القاهرة وأقدم أثر فاطمي باقٍ في مصر.
العناية الفاطمية بالأزهر
حظي الأزهر باهتمام بالغ من الخلفاء الفاطميين، الذين خصصوا له الأوقاف ووفروا له التمويل اللازم لتوسعته وتعميره. منذ سنة 365 هـ وحتى نهاية دولتهم عام 567 هـ، أصبح الأزهر مركزًا لنشر تعاليم المذهب الإسماعيلي، ومع مرور الزمن، تطور ليصبح مركزًا رئيسًا لتعليم ونشر الفكر الإسلامي الوسطي، مسهمًا في تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان ومؤثرًا في المجتمعات الإسلامية حول العالم.
أصل تسمية الأزهر
اختلف المؤرخون في أصل تسمية الجامع، ولكن الرأي الراجح يشير إلى أن الفاطميين أطلقوا عليه اسم “الأزهر” تيمنًا بالسيدة فاطمة الزهراء، بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي يلقبها الشيعة بـ”الزهراء”.
مكانة الأزهر بين الجامعات
يُعد الأزهر ثاني أقدم جامعة قائمة في العالم بعد جامعة القرويين، ومن أوائل الجامعات الإسلامية المتخصصة في دراسة مذهب أهل السنة، وعلوم الشريعة الإسلامية، واللغة العربية وآدابها.
منهج الأزهر الشريف
يجسد المنهج الأزهري الوسطية في الإسلام، والفهم المعتدل للشريعة الإسلامية، مع إبداعات فكرية نابعة من هذا النهج. يعتمد الأزهر على منهج حواري معتدل يعزز مبدأ التعددية الفقهية، ويرفض الانغلاق على مذهب فقهي واحد، ويتيح هذا النهج للطلاب فهمًا أعمق وأشمل للإسلام، ويشجع على الحوار البناء وقبول الاختلاف.
معالجة أزمة العقل المعاصر
يُعد منهج الأزهر من أكثر المناهج قدرة على معالجة أزمة العقل المعاصر، ويعتمد على ترسيخ مبدأ الحوار وشرعية الاختلاف، مما يسهم في بناء بيئة تعليمية متسامحة ومنفتحة. يكمن السر وراء قبول العالم الإسلامي للخطاب الأزهري المعتدل في مزج الفكر العلمي بالروح الصوفية، والتمسك بالوسطية في العقيدة والعمل.
التعليم المتكامل والمتوازن
يعزز هذا المزيج الفريد من الفكر العلمي والروحانية من قدرة الأزهر على تقديم تعليم متكامل ومتوازن يجمع بين الأصالة والابتكار، ويسهم في إعداد جيل من العلماء والمفكرين القادرين على مواجهة تحديات العصر بفاعلية وحكمة.
الأركان التي يقوم عليها المنهج الأزهري
يستند المنهج الأزهري إلى مجموعة من الأركان والقواعد التي تشكل جوهر رسالته في نشر الفكر الإسلامي.
1. رعاية مذاهب أهل السنة والجماعة والانفتاح على المذاهب الإسلامية الأخرى
يحرص الأزهر على تدريس مذاهب أهل السنة والجماعة، مع الانفتاح على دراسة المذاهب الإسلامية الأخرى، مما يعزز الفهم الشامل والمتوازن للإسلام.
2. ترسيخ مبدأ الحوار وشرعية الاختلاف
يعمل الأزهر على ترسيخ مبدأ الحوار البناء وشرعية الاختلاف في عقول طلابه، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بالأديان السماوية الأخرى، مما يعزز التسامح والاحترام المتبادل بين الأديان.
3. شعار الأزهر في عدم التكفير
يؤكد الأزهر على شعار “لا نكفر أحدًا من أهل القبلة، ولا يخرجك من الإيمان إلا جحد ما أدخلك فيه”، وهو قانون يحفظه كل دارس في الأزهر، مما يعزز روح التسامح والاعتدال.
الأزهر الشريف ليس مجرد معهد عريق أو جامعة عالمية، بل هو رسالة ومنهج وخطاب فكري متميز، يعتمد على مزج علوم النص والعقل والذوق، مما يتيح تكوينًا علميًا شاملاً، ويظهر هذا الامتزاج الفريد طبيعة التعليم الأزهري الذي يجمع بين الأصالة والابتكار، ويعد الطلاب ليكونوا علماء ومفكرين قادرين على مواجهة تحديات العصر بروح متسامحة ومنفتحة.
أشهر علماء الأزهر الشريف
يتميز الأزهر الشريف بتاريخ طويل وحافل بالعلماء المتميزين والباحثين المبدعين، الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا في تطوير المعرفة والعلوم في مختلف المجالات.
إليك أبرز العلماء الذين نشأوا وتألقوا في بيئة الأزهر الشريف، وأسهموا في ترسيخ مكانته:
1. الدكتور خالد مخيمر
أستاذ الرياضيات، ووكيل كلية العلوم للبنين في جامعة الأزهر في القاهرة للدراسات العليا والبحوث.
2. الدكتور جمال أبو السرور
أستاذ أمراض النساء والولادة في كلية طب الأزهر للبنين قي القاهرة، ومدير المركز الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية، وعميد كلية الطب الأسبق.
3. الدكتورهشام البشبيشي
أستاذ الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية في كلية الصيدلة للبنين في القاهرة.
4. الدكتور كمال علي
أستاذ الفيزياء في كلية العلوم للبنين في أسيوط.
5. الدكتور جمعة سند
أستاذ الفيزياء في كلية العلوم للبنين في أسيوط.
6. الدكتور محمد بدران
أستاذ الصيدلانيات والصيدلة الصناعية في كلية الصيدلة للبنين في جامعة الأزهر في القاهرة.
7. الدكتور محمد زين
أستاذ علوم النبات في كلية العلوم للبنين في القاهرة.
8. الدكتور إسماعيل عوض
أستاذ الرياضيات في كلية العلوم للبنين في القاهرة.
9. الدكتور عبد الرحمن علي
أستاذ الميكروبيولوجي وعلوم النبات في كلية العلوم للبنين في القاهرة.
10. الدكتور صابر خميس شعبان
أستاذ الكيمياء في كلية العلوم للبنين في أسيوط.
المواد الشرعية في الأزهر
يُقدَّم التعليم في المعاهد الأزهرية بطريقة مميَّزة تختلف عن المعاهد العادية والخاصة، ويتضمَّن تدريس المواد الشرعية والثقافية، إضافة إلى مادة اللغة الإنجليزية في مستويات متقدِّمة، وهذا يجعلها تشبه في بعض الجوانب مدارس التجريبي التابعة لوزارة التربية والتعليم، ويدرس طلَّاب المعاهد الأزهرية 16 مادة في مختلف مراحل التعليم.
تشمل المواد التي تُدرَّس في المعاهد الأزهرية:
- اللغة العربية.
- الحاسب الآلي.
- التربية الفنية.
- العلوم.
- الرياضيات.
- الدراسات الاجتماعية.
- الفقه.
- أصول الدين.
- التجويد.
- القرآن الكريم.
- الأدب والمطالعة والنصوص.
- التفسير.
- الحديث.
- علم العروض والقافية.
- السيرة النبوية.
- علم التوحيد.
- الصرف.
- اللغة الإنجليزية، بمستوى متقدم.
شروط الدراسة في الأزهر الشريف
يجب الالتزام ببعض الشروط للقبول في المعاهد الأزهرية العادية والنموذجية، ومن هذه الشروط:
- يجب أن يكون الحد الأدنى لعمر المتقدِّمين لرياض الأطفال 4 سنوات في شهر أكتوبر، والحد الأقصى 5 سنوات و11 شهراً و29 يوماً، أما للصف الأول الابتدائي، فيجب أن يكون الحد الأدنى لعمر المتقدمين 6 سنوات في أوَّل أكتوبر، والحد الأقصى 9 سنوات.
- تعتمد المعاهد الأزهرية الخاصة في منهجها على دمج المواد الشرعية مع مواد تعليمية متقدِّمة، إضافة إلى تدريس المواد الثقافية باللغة الإنجليزية، وتتضمَّن أيضاً الرياضيات والعلوم، وتتفاوت مصاريف هذه المعاهد وفقاً لسياسة كل مؤسَّسة، وتتراوح بين 5 آلاف جنيه و30 ألف جنيه أو أكثر.
- تضمن الدراسة في المعاهد الأزهرية – سواء أكانت عادية، أم نموذجية، أم خاصة – لأبنائكم فهماً صحيحاً للدين الإسلامي من مصادره الأصيلة، إضافة إلى تنمية قدرتهم على التفاعل مع المواد التعليمية الأخرى.
مكتبة الأزهر الشريف
تأسست مكتبة الأزهر الشريف بتوصية من الإمام محمد عبده لجمع الكتب المتناثرة في المساجد الكبرى وجنبات الأزهر الشريف، وتحتضن الآن ما يقرب من 120 ألف كتاب في أكثر من نصف مليون مجلد، إضافة إلى 40 ألف مخطوطة و880 مصحفًا، وتقع هذه المكتبة في مبنى يمتد على 14 طابقًا وتضم 21 قاعة للقراءة.
تاريخ المكتبة
تُعد المكتبة الحالية امتدادًا للمكتبة القديمة، والتي يرجح أنها تأسست في سنة 517 هـ. صدر القرار بإنشاء المكتبة الحالية في عام 1897، بتوصية من فضيلة الإمام محمد عبده، مفتي مصر آنذاك، ووجهت الجهود لجمع الكتب المتفرقة من أروقة جامع الأزهر ومكتبات المساجد الكبرى في مكان واحد للحفاظ عليها واستفادة الناس منها كما يجب.
نقلت المكتبة خلال العام 1994 إلى المبنى الحالي المكون من 14 طابقًا في طريق صلاح سالم في حديقة الخالدين، وأنشئ فرع آخر للمكتبة في محافظة الأقصر، فرع القرنة، وتقدم المكتبة خدماتها للباحثين والطلاب يوميًا عدا يومي الجمعة والسبت.
أهداف المكتبة
تهدف مكتبة الأزهر الشريف إلى حفظ التراث العظيم الذي تضمه، والذي يشمل أكثر من 116133 عنوانًا في مختلف العلوم والفنون، وهي تعد مركزًا للمعرفة والبحث، وتقسم المكتبة إلى فروع وفئات متعددة تغطي جميع أنواع العلوم والمعارف التي تهم المهتمين بالمعرفة والتعلم.
و أخيرا وليس آخرا
الأزهر الشريف يظل منارة علمية وإسلامية شامخة في قلب القاهرة، بتاريخه العريق ودوره الحيوي في نشر المعرفة والتعاليم الإسلامية. بفضل مؤسساته الثقافية مثل مكتبته ومعاهده الدينية، يواصل الأزهر تعزيز التواصل الحضاري والتعليمي، مسهمًا في بناء جيل مثقف ومتحضر يحمل رسالة العلم والسلام. فهل سيستمر الأزهر في هذا الدور المحوري في ظل التحديات المعاصرة؟











