منطقة البلد التراثية في جدة: نافذة على التاريخ والثقافة
منذ فجر العصور الإسلامية، تألقت جدة كميناء حيوي على ضفاف البحر الأحمر، فيما يُعتبر حيّ البلد جوهرة المدينة وأقدم أحيائها، وموقعًا مُدرجًا على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. هذا الحي، الذي صمد أمام اختبار الزمن والتطورات العمرانية المتسارعة، يمثل قلب جدة النابض وذاكرتها الحية.
جدة القديمة: بوابة مكة
يُعرف حيّ البلد بين أهالي المنطقة بلقب “بوابة مكة” أو “جدة القديمة”، وهو لقب يعكس أهميته التاريخية والدينية. تأسست منطقة البلد قبل أن يتم اعتمادها كميناء بحري لمكة المكرمة في العام 647م، وذلك على أرض ساحلية ساحرة، ما جعلها نقطة التقاء للعديد من الثقافات على مر العصور.
أسوار تحكي التاريخ
تتجلى عظمة هذا الحي في أسواره التي قاومت العوامل التاريخية، والتي كانت تضم ثمانية بوابات تحمل في طياتها قصصًا لا تُنسى، بالإضافة إلى أكثر من 10 بيوت أثرية تتميز بتصاميمها الفريدة وتاريخ عائلاتها العريقة.
بوابات جدة التاريخية: حماية وأمان
في الماضي، كان يحيط بـ حارات جدة سور عظيم مزود بثمانية أبواب، تُغلق عند حلول الظلام لحماية السكان وتأمين الأسواق. كان لكل جهة من المدينة باب خاص بها، ومن بينها:
- باب جديد: بُني في الأربعينات الميلادية في العهد السعودي، ويُعتبر آخر الأبواب التي أُضيفت للسور.
- باب مكة: يقع في الجهة الشرقية المقابلة لسوق البدو، وكان بمثابة حصن للأسواق ومعبرًا حيويًا.
- باب شريف: يقع في المنطقة الجنوبية، وكان يستخدمه الأهالي للتنزه وزيارة الأسواق الخارجية.
إضافة إلى ذلك، كان للسور بابان رئيسيان: باب من جهة البحر، وباب من جهة مكة المكرمة، كما احتوى السور على ستة أبراج. وفي عام 1947م، تمت إزالة السور لمواكبة التوسع العمراني.
حارات جدة التاريخية: فسيفساء من الثقافات
كانت جدة التاريخية داخل سورها مقسمة إلى عدة أحياء تُعرف باسم “حارات”، ولكل حارة طابعها الخاص:
- حارة المظلوم: تقع في الجهة الشمالية الشرقية، وتضم سوق الجامع ودار آل قابل.
- حارة اليمن: تقع في الجهة الجنوبية، وتضم دار الجمجوم ودار آل نصيف ودار آل عبد الصمد ودار آل شعراوي.
- حارة المليون طفل: تقع في الجهة الجنوبية، وتشتهر بكثرة الأطفال في أزقتها.
- حارة الشام: تقع في الجهة الشمالية، وتضم دار الزاهد ودار السرتي.
- حارة الكرنتينه: تقع في الجهة الجنوبية.
- حارة البحر: تطل على البحر، وتضم دار آل رضوان ودار آل النمر.
حي البلد: ملتقى الحضارات
تشير الدلائل إلى أن حي البلد كان مأهولًا حتى قبل ظهور الإسلام، حيث كانت تسكنه قبائل تعتمد على الصيد. ومع ازدهار المدينة في ظل الحكم الإسلامي، تحول الحي إلى مرفأ بحري يستقبل الحجاج ويسهل التجارة. واليوم، يُعد الحي مركزًا ثقافيًا مزدهرًا يضم أسواقًا مفتوحة تعود إلى قرون مضت، بالإضافة إلى البيوت الخشبية الجميلة التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر الميلادي.
فن العمارة في جدة القديمة
اعتمد أهالي جدة في بناء منازلهم على الحجر المنقى والأخشاب المستوردة، واستخدموا الطين لتثبيت الأحجار. كانت طريقة البناء تقوم على رص الأحجار في مداميك يفصل بينها قواطع من الخشب لتوزيع الأحمال.
روائع معمارية باقية
من بين أشهر المباني القديمة التي لا تزال قائمة حتى اليوم دار آل نصيف ودار آل جمجوم في حارة اليمن، ودار آل باعشن وآل شيخ وآل قابل ودار قمصاني والمسجد الشافعي في حارة المظلوم، ودار آل باناجة وآل الزاهد في حارة الشام، ودار آل النمر في حارة البحر. وقد تميزت هذه الدور بملاقف الهواء والرواشين الكبيرة، واستخدام الأخشاب المزخرفة لتلطيف الحرارة.
و أخيرا وليس آخرا : يعكس حي البلد التراثي في جدة تاريخًا عريقًا وثقافة متنوعة، حيث يجمع بين فن العمارة التقليدية والحياة الاجتماعية النابضة بالحياة. هذا الحي، الذي صمد عبر العصور، لا يزال يحمل في طياته الكثير من القصص والأسرار، فهل سيستمر في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي للأجيال القادمة؟











