النمو العقلي للطفل: رحلة التطور المعرفي
يستطيع الآباء والأمهات تتبع التطورات العقلية لأطفالهم من خلال مراقبة مدى التقدم في عملياتهم الذهنية. كما أن مقارنة سلوكياتهم وأدائهم مع أقرانهم أو مع المعايير المتوقعة في عمر معين، تساعد في تقييم هذا النمو.
ما هو النمو العقلي وكيف يتم قياسه؟
النمو العقلي يشير إلى التغيرات التي تحدث في سلوك وقدرات الأطفال والناشئين عبر مختلف المراحل العمرية، ويُقاس من خلال اختبارات الأداء العقلي. كما يعرّف بأنه تطور العمليات الذهنية بدءًا من الإدراك الحسي وصولًا إلى الذكاء.
هناك زاويتان أساسيتان لفهم النمو العقلي للرضيع:
1. القياس العقلي الكمي
يهدف إلى تحديد مقدار القدرة العقلية التي يمتلكها الرضيع مقارنة بأقرانه.
2. النمو العقلي النفسي النوعي
يركز على تحديد القدرات والمفاهيم التي تظهر على الطفل خلال السنتين الأوليين من حياته، وكيف تتطور هذه القدرات والمفاهيم خلال هذه الفترة.
قياس الذكاء البشري
يتم قياس الذكاء البشري باستخدام مجموعة من الاختبارات المعيارية التي تقيس جوانب محددة من القدرات. يتضمن كل اختبار بنودًا متزايدة الصعوبة، ويتم تحديد مستوى الصعوبة بناءً على أداء عينة معيارية من الأشخاص. على سبيل المثال، إذا تمكن 90% من الأطفال في الشهر الثالث من رفع رأسهم، فيُعتبر رفع الرأس مهمة سهلة في هذا العمر.
يمكن استخدام هذه الاختبارات لحساب العمر العقلي للرضيع. فإذا كان الطفل قادرًا على إنجاز المهام المحددة لأطفال السنة الأولى، يكون عمره العقلي سنة واحدة. ولا يلزم أن يتطابق هذا العمر العقلي مع العمر الزمني للطفل. معامل الذكاء هو مؤشر للذكاء النسبي للفرد، ويُحسب عن طريق قسمة العمر العقلي على العمر الزمني ثم ضرب الناتج في 100.
إذا كان العمر العقلي للطفل أكبر من عمره الزمني، فهذا يشير إلى أنه أذكى من أقرانه، وبالتالي سيكون معامل الذكاء لديه أعلى من 100. أما إذا كان العمر العقلي أقل من العمر الزمني، فسيكون معامل الذكاء أقل من 100، مما يعني أن ذكاء الفرد أقل من المتوسط.
أهمية اختبارات الذكاء للرضع
تستطيع اختبارات الذكاء المستخدمة للأطفال الرضع، جنبًا إلى جنب مع مؤشرات أخرى كالوضع الاجتماعي والاقتصادي للوالدين والملاحظات السريرية، أن تتنبأ بذكاء الطفل في المستقبل، وتشخيص حالات الشذوذ العقلي بدقة. وتختلف هذه الاختبارات عن تلك المستخدمة للناشئة، حيث تقيس فعاليات مختلفة مثل القدرة على الوصول إلى الأشياء، وتتبع الأشياء المتحركة بصريًا، والتقليد، وترتيب المكعبات. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاختبارات لا تتناول اللغة، مما قد يؤثر في قدرتها التشخيصية نظرًا لأهمية اللغة في تفكير الأطفال.
تأثير اللغة على القدرات العقلية
تعتبر المهارات والقدرات اللغوية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقدرات العقلية. فمدى قدرة الطفل على الاستجابة واتباع التعليمات اللفظية يعتبر مؤشرًا هامًا على قدراته العقلية. كما أن الذكاء يتأثر بشكل كبير بالعوامل الخارجية المحيطة بالطفل، وهو ما يؤثر أيضًا في جودة اختبارات الذكاء.
صحيح أن تأثير المحيط على القدرات العقلية للطفل له حدود، إلا أنه لا يمكن إنكار تأثير الظروف الصعبة التي يعيشها بعض الأطفال، والتي قد تمنع تفتح قدراتهم العقلية والذهنية.
الوظائف العقلية للطفل حتى عمر السنتين
المعرفة هي المحتوى العقلي للطفل، وهي نتيجة الوظائف أو المظاهر العقلية. فما هي هذه الوظائف إذن؟
1. الإدراك
هي الوظيفة العقلية التي يتعرف الطفل من خلالها على العالم الخارجي المحيط به عن طريق الحواس. كلما زادت حساسية أعضاء الطفل تجاه المعلومات التي يتلقاها من الوسط المحيط به، وزادت قدرته على تسجيل هذه المعلومات، تطور نموه الإدراكي. ويعتبر الإدراك أكثر الوظائف العقلية تقدمًا خلال أول سنتين من حياة الطفل.
2. البصر
دراسة تطور حاسة البصر لدى الرضيع تزيد من معرفتنا المتعلقة بنمو القدرة الإدراكية. فعين الطفل عند الولادة لم تكتمل بعد من ناحية النمو، ويستمر النمو والتغيرات الخلوية في شبكية العين حتى الشهر الرابع تقريبًا، مما يؤثر في قدرته البصرية.
توجد جوانب أخرى في الجهاز البصري، مثل تغلف العصب البصري، يكتمل نموها مع مرور الزمن. كما يتقدم التمييز البصري والقدرة على تتبع الأشياء أيضًا مع تقدم الرضيع في العمر. وفيما يتعلق بالألوان، تشير بعض الدراسات إلى استجابة الأطفال في الشهر الرابع للأزرق والأحمر لفترة أطول من غيرها، ويبدأ الأطفال بالتطلع إلى الوجوه بين الشهرين الثالث والرابع.
3. السمع
لا يكون عمل الجهاز السمعي للطفل مكتملاً منذ الولادة؛ إذ يبقى السائل الرحمي في القناة السمعية لفترة من الزمن، مما يعوق جزئيًا ذبذبة عظام الأذن الوسطى. ومع ذلك، يستجيب الأطفال للأصوات، خاصة المعتدلة منها، والتي لها أثر مهدئ كالضوء الخافت تمامًا.
يمكن للأم ملاحظة هذا عندما تغني لطفلها بصوت ناعم قبل النوم، كيف يهدأ ويتوقف عن البكاء. ومن جهة أخرى، تحدث أصوات الضجيج المفاجئة ردود فعل إجفالية عند الرضيع، وتزيد من تسارع دقات القلب.
4. الحواس الأخرى
تعتبر المعلومات المتوفرة عن بقية الحواس كالشم واللمس والذوق أقل من تلك المتوفرة عن السمع والبصر. وتكون هذه الحواس كاملة منذ الولادة ولا يطرأ عليها إلا القليل من النضج مع العمر. وتتفاعل هذه الأجهزة الحسية مع الظواهر الحسية الأخرى والأفعال الحركية، ومع التقدم بالعمر يرتبط الشم والذوق واللمس بفعل القبول أو الرفض.
يولد الرضيع مع براعم ذوقية كاملة، ولكنه يعجز عن التمييز بين الحامض والحلو والمالح، وتبدأ التفضيلات الحسية بالظهور بعد الشهر الثالث. وبالنسبة إلى الشم، فتنمو القدرة على تمييز الروائح بسرعة بعد الولادة.
5. اللغة
اللغة هي حصيلة آلاف الكلمات والمعاني التي تشكلت وتطورت عبر الزمن ضمن فئة اجتماعية معينة. وتعتمد عملية اكتساب الأطفال للغة بشكل رئيسي على تقليد كلام البالغين. كما يتعلم الأطفال الأسماء قبل الضمائر والأفعال والصفات والظروف، وتعتبر حروف الجر وأدوات الربط آخر ما يتعلمه الطفل، ويتعلمون الجمل البسيطة قبل المعقدة.
منذ عام 1970، بدأ الاهتمام بوجهة نظر بياجيه التي تقول إن اللغة تُشتق من فعل الطفل الخاص ومن صوغه للمفاهيم، وقد تم بعد ذلك محاولة الربط بين النمو اللغوي والنمو الإدراكي. فالاهتمام هنا ليس في كيفية استخدام اللغة بوصفها حصيلة اجتماعية؛ بل بكيفية اكتساب هذه اللغة.
كيف يتعلم الطفل الكلام؟
لفهم كيفية تعلم الطفل الكلام، يجب الحديث عن مراحل التصويت والكلام المبكر.
1. مراحل التصويت
يتحسس الطفل لصراخه بالتحديد، كما أظهرت إحدى الدراسات التي أُجريت على رضع في الشهر الأول. ففي الوقت الذي يكون صراخ الطفل غير مميز، يتمكن الرضيع من الاستجابة لصراخه بالذات أكثر من أقرانه بعد سماعه لتسجيلات تحتوي على صراخه وصراخ أقرانه.
خلال الشهر الثاني، يبدأ الصراخ بأخذ طابع تمييزي؛ إذ يتمكن الراشد من فهم القصد من صراخ الطفل سواء بسبب الجوع أم الخوف. وبعدها تبدأ المناغاة وتستمر حتى الشهر التاسع تقريبًا، وتشكل هذه المناغاة الأساس المتين للمهارة اللغوية، وترتبط المناغاة بالنضج العضوي، فتأخر الطفل عن المناغاة أو عدم المناغاة قد يكون دليلًا على وجود تأخر ما أو مشكلة عضوية عند الرضيع.
من خلال الاحتكاك والتواصل الاجتماعي، تتحول هذه المناغاة إلى كلمات بسيطة كمقاطع صوتية مثل بابا، ماما، والشهر العاشر هو المرحلة الأخيرة قبل مرحلة اللغة ويبدأ الطفل بتقليد الكبار، كما يبدأ أيضًا بالاستجابة لأصوات الكبار، وفي نهاية السنة الأولى يستطيع الطفل تمييز الأصوات الرئيسة في لغة الوالدين ويحاكيها.
2. الكلام المبكر
يتساءل الكثير من الأهل متى سينطق ابني كلمته الأولى؟ في الحقيقة، لا توجد إجابة دقيقة عن هذا التساؤل، فعمومًا يبدأ الأطفال الكلام تقريبًا مع البدء بالشهر الخامس عشر، لكن يوجد الكثير من الفروق بين الأطفال، ويربط الكثير من العلماء بين العمر الذي يبدأ به الطفل الكلام وبين نموه العقلي. فمثلاً تشير الدراسات إلى أن الأطفال المتفوقين عقليًا يبدؤون الكلام في الشهر الحادي عشر، في حين يتأخر عند ضعيف العقل إلى الشهر التاسع والثلاثين.
و أخيرا وليس آخرا
النمو العقلي للطفل هو جانب أساسي في رحلته نحو النضج. وتيرة هذا النمو ليست ثابتة، بل تختلف تبعًا للمرحلة العمرية. التطورات العقلية التي يمر بها الرضيع تختلف عن تلك التي يمر بها في الطفولة المبكرة. يجب على الأهل أن يكونوا دائمًا يقظين ومستعدين للتدخل عند ملاحظة أي تأخر لدى أطفالهم، لضمان تطورهم المعرفي السليم. هل يمكن للبيئة أن تعوض التأخر في النمو العقلي، أم أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها؟











