أسرار “مصائد الصحراء”: اكتشافات أثرية في صحاري المملكة العربية السعودية
في غابر الأزمان، وتحديدًا منذ ما يزيد على ثمانية آلاف عام مضت، كانت صحاري المملكة العربية السعودية تنعم بحياة مزدهرة، حيث استوطنتها شعوب قديمة تركت آثارًا لا تزال شاهدة على وجودها حتى يومنا هذا، وكأنها توقفت عن الحركة في نفق الزمن.
ففي مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية، الممتدة من الأردن وصولًا إلى المملكة العربية السعودية، مرورًا بسوريا وأرمينيا وكازاخستان والعراق، تمكن الباحثون والعلماء من الكشف عن آلاف التكوينات الحجرية الضخمة التي تنتشر على نطاق واسع، والتي تم رصدها بشكل خاص من خلال عمليات المسح الجوي والاستكشافات التي أجريت من الأعلى.
الأصول والاكتشافات الأولى لـ”مصائد الصحراء”

لاحظ طيارو سلاح الجو البريطاني هذه التشكيلات على شكل حرف V لأول مرة في عشرينيات القرن الماضي، وعلى مدى أكثر من قرن، ناقش الخبراء سبب بنائها.
وتدعم الآن صور الأقمار الصناعية الحديثة ومسوحات الطائرات بدون طيار في صحراء العويرض بالمملكة العربية السعودية فرضية شائعة.
وظيفة “مصائد الصحراء”: تقنيات الصيد الجماعي
يعتقد علماء الآثار العاملون على هذه الأنماط الحجرية القديمة، والتي تُعرف أحيانًا باسم “مصائد الصحراء”، أنها كانت تستخدم على الأرجح كمصائد للصيد الجماعي.
ويبدو أن العشرات من مصائد الصحراء التي اكتُشفت حديثًا في العويرض قد بُنيت جميعها مع وضع نفس الوظيفة في الاعتبار. تشير بعض الأشكال التي تأخذ شكل حرف V إلى حفرة، بينما يشير البعض الآخر إلى منحدر مفاجئ، والبعض الآخر إلى حظيرة.
تشير التصميمات الثلاثة إلى أن مصائد الصحراء كانت تستخدم في الماضي لتوجيه قطعان الحيوانات البرية نحو الموت أو الأسر.
يشرح مؤلفو دراسة جديدة: “الغرض من شكل المصيدة متفق عليه عمومًا: كانت الحيوانات تُساق (نظام مصيدة ‘نشط’) أو توجه (نظام مصيدة ‘سلبي’) إلى منطقة محصورة بواسطة جدران الهيكل.”
ويضيفون: “يُعتبر الآن صيد الحيوانات، وأكثرها شيوعًا الغزلان وغيرها من الظباء العاشبة، وربما الوعول والخيول البرية والنعام، الاستخدام الأكثر شيوعًا لهذه الهياكل.”

الحاجة إلى مزيد من البحوث لتحديد أنواع الحيوانات
هناك حاجة إلى مزيد من الحفريات لمعرفة أنواع الحيوانات التي كانت تُساق تحديدًا إلى هذه المصائد المكتشفة حديثًا، ولكن حقيقة ظهورها في أجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية تشير إلى أن هذه كانت استراتيجية شائعة وفعالة للبقاء على قيد الحياة.
التنوع الجغرافي لمصائد الصحراء وتعقيدها
فإلى الجنوب، على سبيل المثال، عثر علماء الآثار على المئات من مصائد الصحراء الحجرية وآلاف الهياكل الحجرية الأخرى المنتشرة في الصحراء.
تميل مصائد الصحراء الموجودة في الجنوب إلى أن تكون أكثر تعقيدًا وتركيزًا من تلك الموجودة في صحراء العويرض. فهي تجمع أحيانًا بين أشكال متعددة على شكل حرف V معًا.
الأراضي العشبية الموسمية ودور الفن الصخري القديم
في الماضي، جادل علماء الآثار بأن هذه الهياكل كانت تستخدم كمصائد للصيد لأنها تظهر في مناطق رملية كانت تستضيف في السابق أراضي عشبية موسمية. ربما كانت المساحات الخضراء تدعم هجرة الغزلان أو الماعز أو غيرها من الحيوانات التي تعيش في قطعان.
توضح بعض صور الفن الصخري القديمة من هذا الوقت أيضًا هياكل تشبه المصائد تُستخدم لتوجيه الحيوانات. يشير تخطيط بعض المصائد إلى أنها ربما استُخدمت لتربية الحيوانات البرية – وهي واحدة من المحاولات الأولى لتدجين الحيوانات التي عُثر عليها في أي مكان في العالم.

تقنيات الصيد المتنوعة والاختلافات في تصميم المصائد
تشير دراسة حديثة أخرى حول مصائد الصحراء، نُشرت في أبريل 2022، إلى أن وجود مزيج من المصائد في منطقة واحدة ليس أمرًا غير شائع. تفتح بعض هذه المصائد على حفر في النهاية وتفتح مصائد أخرى على حظائر.
كتب الباحثون: “ربما كانت المصائد والمصائد المفتوحة تعمل في الوقت نفسه، مما يحدد تقنيات صيد ذات صلة ولكنها مختلفة”.
ويضيفون: “ربما تبعت إحداهما الأخرى بمرور الوقت، مع نشوء إحدى التقنيات عن الأخرى، حيث طورت أشكال ‘المصائد الأولية’ الأشكال المتطورة والموحدة لمصائد الصحراء.”
الحاجة إلى مزيد من البحث لفهم مجتمع العصر الحجري الحديث
هناك حاجة إلى مزيد من البحث للتمييز بين هذين الاحتمالين. يمكن أن تكشف لمحة عن مجتمع العصر الحجري الحديث في النهاية كيف بدأ البشر الأوائل في صيد الحيوانات وتدجينها.
ربما كان الاقتراب من قطعان الحيوانات البرية هو ما سمح لنوعنا لأول مرة بتربيتها وتربيتها على أنها حيوانات خاصة بنا.

استخدامات أخرى محتملة لمصائد الصحراء وارتباطها بالآثار المستطيلة
ولكن ليس كل جانب من جوانب مصائد الصحراء ضروريًا بالضرورة من الناحية الوظيفية.
عُثر على بعض المصائد مدمجة في هياكل حجرية أكبر تسمى “المستطيلات”، والتي يمكن أن تمتد لعدة كيلومترات. المستطيل هو الكلمة العربية للمستطيل، ومن الأعلى، يبدو نمط الكتلة للمستطيلات وكأنه بوابة.
على الرغم من العثور على عدة مئات من المستطيلات في الصحراء العربية في السنوات الأخيرة، إلا أن علماء الآثار لا يعرفون حتى الآن ما الذي كانت تستخدم فيه.
ربما كانت آثارًا روحية أو ثقافية لتقديم القرابين الحيوانية أو الولائم، ومع ذلك فإن ارتباطها بمصائد الصحراء يشير إلى أنها ربما استُخدمت أيضًا لحجز الحيوانات أو تخزين المياه.

فعالية وأهمية الهياكل الحجرية القديمة
ومهما كانت استخداماتها، فلا بد أن هذه الهياكل الحجرية كانت فعالة أو عزيزة للغاية. فهي تنتشر في المنطقة، وتشير جهود التأريخ الأولية إلى أنها كانت قيد الاستخدام في شبه الجزيرة العربية لآلاف السنين.
يكتب الباحثون في الدراسة التي نُشرت في أبريل: “لا يُعرف شيء تقريبًا عن مستخدمي المصائد الضخمة في منطقة توزيع المصائد.”
ويضيفون: “مطلوب المزيد من التأريخ بالإضافة إلى التنقيب في المواقع ذات الصلة من أجل ربطها بوضوح بسمات ثقافية.”
دعوات لمزيد من البحث والاكتشافات الحديثة للطرق القديمة
عُرفت مصائد الصحراء في المملكة العربية السعودية منذ عقود، لكنها لم تحظ باهتمام كبير من المجتمع العلمي.
لأعوام حتى الآن، دعا علماء الآثار إلى إجراء المزيد من البحوث حول بقايا هذه المجتمعات القديمة، وأخيرًا بدأت الكرة في التدحرج.
في بداية عام 2022، كشف علماء الآثار العاملون في المملكة العربية السعودية عن شبكة واسعة من الطرق السريعة المفقودة يبلغ عرضها 530 كيلومترًا في شمال غرب البلاد.
كانت هذه الطرق القديمة تصطف عليها آلاف المقابر الحجرية الحلزونية التي بدت وكأنها تؤدي من واحة إلى أخرى.
عُثر أيضًا على مصائد الصحراء في العديد من هذه الواحات.
يعتقد علماء الآثار الذين كشفوا عن الطرق السريعة أنها كانت تستخدم من قبل البدو الرحل القدماء الذين كانوا يطاردون أفضل الأراضي والمناخات.
بعد آلاف السنين، يحاول علماء الآثار تتبع خطواتهم.
إن اكتشاف هذه الهياكل القديمة يلقي ضوءًا جديدًا على تاريخ البشرية في المنطقة، ويكشف عن استراتيجيات البقاء والتكيف التي استخدمها أسلافنا في مواجهة تحديات البيئة الصحراوية.






